الرئيسية / أراء ومقالات / أي عقيدة تحكم جيوشنا العربية أهي التضحية أم الغطرسة ؟

أي عقيدة تحكم جيوشنا العربية أهي التضحية أم الغطرسة ؟

سمية إكرام- كندا اليوم

منذ قديم الأزل وبقاء الدول وقوتها رهين بمدى قوة منظومتها العسكرية، من حيت العتاد العسكري وكفاءة عنصرها البشري، لذلك فتقدم الدولة لا يقاس فقط بحجم اقتصادها والمستوى الاجتماعي لمواطنيها، بل أيضا بقدراتها العسكرية، بل إن هذه الأخيرة تعد الضامن لوحدة الدولة واستقرارها الاقتصادي والسياسي ضد أي تدخل مباشر أو غير مباشر.

لذلك ارتبط الجيش في الوعي الإنساني وأخص بالذكر العربي بهدفين ساميين، هو الحفاظ على وحدة التراب الوطني ضد أي عدوان خارجي، والدفاع عن مواطنيه.

فضل المواطن العربي لعقود يرى في جيشه الرمز الحقيقي للتضحية بالنفس، وأن الجندية شرف ما بعده شرف، وهذه النضرة ترسخت لديه وجيشه يواجه أطرافا خارجية، بحيث يتحقق ذلك الإجماع الوطني شعبا وسلطة على الدفاع عن سلامة الوطن وأفراده، أو بسبب تلك الحروب التي خاضتها جيوش عدد من الدول العربية في إطار تكتل عربي، دفاعا عن أحد أعضاء هذا التكتل عند المس باستقلاله.

كحرب1948 التي خاضتها الجيوش المصرية والسورية واللبنانية والأردنية والسعودية والعراقية، ضد المليشيات الصهيونية المسلحة في فلسطين.

أوفي حرب 1967 والتي نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بمشاركة الجيش العراقي، وقد لقبت بالنكسة لأن إسرائيل تمكنت خلالها من احتلال شبه جزيرة سيناء

وقطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان.

وكذا حرب أكتوبر 1973 وهي الحرب العربية الإسرائيلية التي شنتها كل من مصر وسوريا على إسرائيل، بدعم عربي عسكري من قبل العراق والأردن والكويت والجزائر وتونس وليبيا والمغرب.

فكل هذه الأحداث أعطت قيمة لتلك الجيوش انطلاقا من الهدف التي كانت تسعى إليه: وحدة التراب الوطني و نصرة كل قطب من العالم العربي تم المس بوحدة أراضيه.

لكن لنترك الماضي بكل تواريخه وأحداثه ودعونا نطل على واقع الحاضر والأمس القريب.

فقد كانت الأحداث التي شهدها الوطن العربي في إطار ما سمي بالربيع العربي، حدا فاصلا في تغيير هذه النضرة تماما فقد كشفت واقعا مؤلما لحقيقية جيوشنا العربية.

فنجد موقفها في غمرة رياح التغيير العربي لم يخرج غالبا عن حالتين:

الحالة الأولى إما أنها تتعامل ككيان مستقل هدفه الوحيد الحفاظ على مصالحه بعيدا عن طموحات الشعب إلى الحرية والكرامة.

كما حدت تماما في مصر فبعد أن ادعى الجيش اصطفافه لجانب الشعب ضد رأس السلطة – الذي كان ينتمي بدوره للكيان العسكري- وذلك في أوج الحراك الثوري في 2011،

 فإنه سرعان ما تم الانقلاب على الرئيس المدني الذي كان من بين أهم إفرازات تلك الهبة الشعبية، وهذا فقط لأن حلول شخص مدني مكان عسكري على هرم السلطة، من شأنه أن يحد من الامتيازات التي ضلت تحضا بها المؤسسة العسكرية لعقود، ويحصر دورها في الدفاع دون أن يكون لها نشاط اقتصادي أو سياسي.

والحالة الثانية: أن يكون الجيش تابعا للسلطة يأتمر بأمرها، فيجسد اليد التي يبطش بها الحاكم بالثائرين من شعبه،  ممن تجرأوا على معارضة سياسته ومطالبته بالتغيير.

 ولعل سوريا المثال الساطع على ذلك حيث أزهق الجيش السوري أرواحا لا سبيل لتعدادها فتحول السوريين إلى مجرد أرقام  تذاع على شاشات الفضائيات، وخاض سلسلة من عمليات التعذيب الممنهج ضد المعارضين، وطبعا كانت النتيجة الحتمية لهذا القتل والتنكيل    هجرة الآلاف من السوريين نحو المجهول.

وإن كان هناك بعض الشرفاء ارتأوا الانسلاخ عن هذا الجيش حفاظا على شرف البذلة العسكرية أن تلطخ بدماء الأبرياء.

من هنا يطرح السؤال هل عقيدة بعض الجيوش العربية تغيرت بين الأمس والحاضر، أم أنها عقيدة واحدة؟

لو قمنا باستقصاء شفاف عن تاريخ أغلب قادة هذه الجيوش في الماضي بعيدا عن الدعاية والفبركة الإعلامية.

نجد أن تاريخهم قائم على الانقلابات ليس خدمة للشعب من جبروت من تم الانقلاب عليهم تبعا لما يروجونه، ولكن طمعا منهم في السلطة مع ما يتبع ذلك من امتيازات لا حصر لها، تماما مثل ما حدث في عدد من الدول العربية :

مصر

انقلاب 23 يوليو1952، الذي قاده الضباط الأحرار حيث تم إجبار الملك فاروق على التنحي، فيما عادت مقاليد الأمور في البلاد إلى ما سمي بمجلس قيادة الثورة.

 الجزائر

انقلاب 19يوليو1965، إذ قام وزير دفاع البلاد آنذاك هواري بومدين بانقلاب عسكري على الرئيس الأول للجزائر بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي أحمد بن بلة  بعد حكمه لثلاث سنوات، وظل بومدين رئيساً لمجلس التصحيح الثوري حتى تم انتخابه رئيسا للجمهورية عام 1975، وبقي في منصبه إلى غاية ديسمبر 1978.

العراق

انقلاب “الثورة البيضاء” يوليو 1968، قاد الانقلاب الذي أطاح بنظام حكم الرئيس عبد الرحمان عارف، كل من أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، وبالتالي  تولي حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في البلاد.

ليبيا

انقلاب ديسمبر 1969، تم على يد حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي  بقيادة الملازم الأول حينها معمر القذافي، حيث زحف الثوار على مدينة بنغازي واحتلوا الإذاعة وحاصروا القصر الملكي، فتنازل الملك محمد إدريس السنوسي عن الحكم، وتولى القذافي السلطة إلى  أن قتل عام 2011 على يد الثوار.

سوريا

انقلاب الحركة التصحيحية نفمبر 1970،  أطلقها وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد إلى جانب رئيس الأركان مصطفى طلاس، فتمت الإطاحة بحكم الرئيس نور الدين الأتاسي، وانتخب حافظ الأسد رئيساً للجمهورية السورية عام 1971، وبقي في سدة الحكم إلى أن توفي عام 2000.

وكما بدأنا بمصر ننهي بها، فقد شهدت آخر انقلاب لجيش عربي على السلطة.

وهو انقلاب 3 يوليو  2013 ، بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي عزل الرئيس محمد مرسي عن منصبه وقدمه للمحاكمة ، فيما  مثل انتخاب السيسي رئيساً للجمهورية عودة الدولة إلى ما كانت قبل الثورة بل وأفظع، وبالتالي تكريس حكم العسكر في مصر.

وعندما نتحدث عن الجيش فإننا نقصد العقول المدبرة لا الأجساد التابعة، وإن كان ذلك لا يعفي الجندي من المسئولية عن أي قتل خارج القانون أو خيانة ولو كان ذلك تنفيذا لأوامر عسكرية.

 نستشف من خلال سردنا لما سبق من أحداث تاريخية، أن عقيدة تلك الجيوش هي هي لم تتغير، لكن ما أناط اللثام عنها، هو تخوف قياداتها من تتضرر مصالحهم عقب الثورات العربية.

ورغم هذا الواقع السوداوي لمنظومتنا العسكرية العربية، بسبب تحكم شرذمة همها السلطة والثروة أو أن تكون مجرد مرتزقة تحت إمرة الحاكم، فإنه يحدون الأمل في أن يولد جيل جديد  من رحم المعاناة يقدم روحه رخيصة فداءا لتراب الوطن الغالي.

شاهد أيضاً

المُطبلون العرب في كندا..

بقلم: معتز أبوكلام يخرج علينا كل فترة مُطبل أو مُزمر جديد يهوى التزمير ولفت الأنظار  وإثارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!