إنتفاضة الشعب اللبناني أَمام تَحدياتٍ كبيرةٍ ومخاطرِ جسام

----- هذا الخبر برعاية -----

بقلم: سمير جبور

إن من يتابع انتفاضة الشعب اللبناني العفوية التي انطلقت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بصورة تظاهرات ومسيرات  شعبية سلمية  يقودها جيل جديد من الشباب اللبناني الذي اكتوى بنيران ويلات النظام الطائفي الفاسد ، سيدرك ان هذا الجيل لم يعد يحتمل هذا الغبن وهذا الوضع المعيشي والسياسي الذي يعاني منه منذ أجيال . فقد طغت الطائفية على كل مناحي حياته . وعلى حد وصف أحد الكتاب :” أصبح اللبناني يعاني حالة مرضية مستفحلة، فهو يولد طائفياً ويفكر طائفياً ويتصرف طائفياً ويفرح طائفياً ويحزن طائفياً ويخاف طائفياً ويتزوج طائفياً ويموت طائفياً.

وكما عبر عن هذه الحالة احد الملمين بالحالة اللبنانية إذ كتب أن “الطائفية اضحت القاعدة الثابتة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبلغ تغلغلها في عمق الوعي الجمعي اللبناني أن أصبحت الصابغ الأساسي لهوية الفرد ولوعيه حول المجتمع والحياة والأرض والوطن.”. ويمكن القول ان هذه الحالة تنطبق على جميع فئات الشعب اللبناني التي خرجت الى الشوارع محاطة بالأعلام اللبنانية التي تمثل الوطن اللبناني الواحد.

ومن هنا لم يجد الشعب اللبناني اية وسيلة امامه للخروج من هذا الوضع المتأزم  سوى الخروج الى الشارع في مختلف المدن اللبنانية بكل فئاته ومختلف مشارب حياته .

ومما اضفى طابعا من الشمولية على هذا الحراك الشعبي  انه انفجر بصورة إعتصامات وتظاهرات عفوية وصفت بانها  “عابرة للطوائف والمناطق ” وهي فوق ألأحزاب وشملت مختلف الطبقات الإجتماعية محطمة جدار الخوف ومخترقة  الحواجز  الطائفية على غرار الهبات الشعبية التلقائية التي انفجرت خلال سنة 2011 والتي انحرفت عن مسارها الحقيقي بعد ذلك ،  ووظفت في تحقيق اهداف تقسيمية وتدميرية لبعض البلدان العربية رسمتها اوساط غربية وصهيونية . .

----- هذا الخبر برعاية -----

ولعل العامل المشترك بين تلك الإنتفاضات الشعبية والإنتفاضة اللبنانية  أنها تعكس مشاعر الإحباط والخذلان من انظمة عربية ينخر فيها سوس الطائفية والفساد والمحاباة وتمارس اسوأ حالات القهر والقمع والظلم .

ومما يؤجج مشاعر الغبن أن هذه الأنظمة  تبخل على توفير الظروف المعيشية المقبولة لمواطنيها في حين تنفق اموالا طائلة على حروب وفتن اهلية طاحنة ومؤامرات دنيئة مع ألد أعداء الأمة ناهيك عن حروبها الطائفية ووصراعاتها الدينية والمذهبية التي تحرق الأخضر واليابس … وثورة الشعب اللبناني انما هي جزء لا يتجزأ من تلك الحراكات الشعبية التي انطلقت بصورة عفوية في البداية قبل ألإنفضاض عليها  وتحويل مساراتها الى اعمال تخريببة وتدميرية ..

من الملفت أن ما يميز انتفاضة الشعب اللبناني أيضا  طابعها السلمي الحضاري وهذا الوعي الجمعي  الذي أظهره  المحتجون الذين نفضوا عن أنفسهم ثوب الطائفية البغيضة  وكأن لسان حالهم يقول: نحن أبناء شعب واحد وما يجمعنا اكثر مما يفرقنا . فاذا ما فرقتنا الطائفية ، فان  الضائقة الإقتصادية والمعيشية والإجتماعية  وهدر الكرامة ألإنسانية انما هي من نصيب كل من يعيش تحت سماء هذا الوطن .اننا نعاني جميعا من الافات نفسها بغض النظر عن الموقع الجغرافي . فإذا جاع ابن الجنوب  اتضوّر  ابن الشمال.  ان ما يوحدنا هو انتماؤنا الى هوية واحدة ووطن واحد وشعب واحد وجميع الحروب الأهلية التي ابتلى فيها لبنان لم ترحم احدا. والظلم والغبن والضائقة المعيشية انما هي الشكوى المشتركة التي يعاني منها الجميع.

ثمة ميزة أخرى لتلك المسيرات الإحتجاجية ان المنتفضين وضعوا اصابعهم على الجراح وأدركوا ان حالتهم المرضية ناتجة عن ممارسات النظام الطائفي المستبد  الذي لا يرحم احدا . ومن هنا كان شعارهم الوحيد والطاغي” الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي”.

ونقل عن الباحث الأكاديمي في الجامعة الأمريكية في بيروت، المشارك في التظاهرات، بشار الحلبي، قوله: “مستوى الوضوح لدى الشباب في شعاراتهم ورؤيتهم متقدم جدا على الأجيال السابقة، وتشعر بأنهم أشجع من الكثير غيرهم في الشارع”.

مطالب قصيرة المدى واخرى بعيدة المدى

طرح المتظاهرون بعض المطالب التي يمكن تحقيقها مرحليا على المدى القصير دون ان تتجاوز سقف الواقع وقابلية التنفيذ .

ومن بين المطالب  التي طرحها المحتجون تسريع عملية تشكيل حكومة تكنوقراط، وإجراء انتخابات مبكرة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين داخل السلطة، إضافة إلى رحيل بقية مكونات الطبقة الحاكمة، التي يرون أنها فاسدة وتفتقر للكفاءة وتعيين حكومة تكنوقراط على اساس الكفاءات وليس الإنتماء الطائفي .كما طالبوا بإنهاء الفساد وبإصلاح شامل للنظام السياسي القائم على المحاباة، وما يكفي من الوظائف لعشرات الآلاف من اللبنانيين الذين يتخرجون كل عام..

ولكن تحقيق هذه المطالب المرحلية ليس كافيا لإسقاط النظام الطائفي .  ولا بد من طرح أهداف ومطالب بعيدة المدى كفيلة بالقضاء على النظام الطا ئفي مرة والى الأبد  بنقل الوطن اللبناني الى الحداثة والعلمانية وإرساء اسس  نظام ديموقراطي يكفل الحريات لجميع المواطنين من دون تمييز. ومن البديهي ان يكون تحقيق هذه الأهداف الكبرى مرهونا بوجود مرجعية وقيادة  واعية للحراك  الشعبي اللبناني تتولى التخطيط ورسم الأهداف  القصيرة والبعيدة المدى..

ان هذه المرحلة تتطلّب الكثير من اليقظة والوقوف بالمرصاد لكي جهة تحاول الإنقضاض على هذه الثورة وتحويل مسيرتها الى مآرب ومناحي تدميرية للنيل من الوطن اللبناني . ومن هنا ، لا بد لقيادة الثورة الا ان تتعظ مما جرى حولها .

ومن المعروف أن أعداء لبنان كثر وهم يتربصون به ويحاربونه اقتصاديا كما تفعل الولايات المتحدة بفرضها حصار شرس او اسرائيل التي تحاول –بواسطة عملائها في الداخل – تصوير الأنتفاضة اللبنانية بأنها تستهدف حزب الله والقوى الوطنية اللبنانية لزرع الفتنة كما فعلت دائما و لاسيما خلال الحب الأهلية في سنة 1975.

وفيما المسيرات الشعبية مستمرة وهذا شرط اساسي لنجاحها ، لا بد لقيادة الإنتفاضة اللبنانية ان تستخلص العبر من احداث 1958 والحرب الأهلية 1975: التي “ادت الانقسامات التي جرى فيها إستخدام الطائفية في ظل تصاعد ازمات النظام داخلياً واحتدام الصراع العربي الاسرائيلي والمخطط الهجومي الاميركي على المواقع والقوى التحررية العربية، الى احداث 1958 مبدأ ايزنهاور. ثم الى اشعال الحرب الاهلية التي تفجّرت عام 1975، والتي تداخلت فيها العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، وادت الى اطالتها وزيادة طابعها التدميري. وقد كشفت هذه الحرب مدى الضرر والخطر الذي ينجم عن الطائفية على الشعب والوطن.”

التحديات كبيرة والمخاطر جسيمة وحمى الله لبنان وجميع بلاد الشام من شرور أعدائها وهم كثر .

.

------------ هذا الخبر برعاية ------------

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق