الجمعة , يوليو 19 2019
enar
الرئيسية / أراء ومقالات / الذين أحبوا كندا !!!!

الذين أحبوا كندا !!!!

بقلم : صباح سحمودي

 لعل السؤال الأكثر تداولا في المنتديات المهتمة بموضوع الهجرة : لماذا تريد الهجرة إلى كندا؟

و هو نفسه السؤال الذي يستقبلك به موظف الهجرة الذي يجري معك المقابلة، و حين تضع قدميك هنا ستجد هذا السؤال بصيغة : لماذا قدمت إلى هنا؟ لماذا تركت كل شيء و أتيت؟

بكل أمانة، أنا أيضا شاركت في النقاشات الدائرة بخصوص هذا الموضوع قبل قدومي إلى هنا، و أذكر جيدا الأسباب التي أوردتها قائلة أنني أريد أن أغير حياتي و أبحث عن حياة أفضل لأسرتي ناهيك عن العيش في بلد يحترم فيه الإنسان و لا يكون فيه مضطرا إلى الرجاء حتى من أجل الحصول على حقوقه التي يكفلها دستور أي دولة تحترم مواطنيها، و لكن و رغم كل هذا لم أكن أعلم هل سأحبها أم لا.

قبل المجيء يخيفونك من الصدمة الثقافية، لم أشعر بها، ربما لأنها ليست المرة الأولى التي أتواجد فيها في بلد غير المغرب، و لكن صدقا و بكل أمانة، هنا في كندا، كل شيء مختلف، المقارنة مع المغرب غير قائمة أساسا و لكن حتى حين تقارن مع دول أروبية و ابرزها ألمانيا، هولندا، بلجيكا، لن تجد أن هذا شيء ممكن، فلا داعي لفعل ذلك و لا داعي للبدء بالمقارنة، حتى المنتجات مختلفة و الأسعار متفاوتة و الجاليات هنا أيضا مختلفة عن باقي الجاليات في الدول الأروبية، أذكر أنني في الأيام الأولى التي كانت ترافقني فيها قريبتي المقيمة هنا منذ سنوات، جزاها الله خيرا لإكمال الأوراق، سمعت الكلمة التي يطلقها المغاربة على الكيبكيين فدهشت، إحدى العاملات في منظمة لمساعدة القادمين الجدد نعتتهم ب “القباقب”، ضحكت حينها و استغربت و أنا أتساءل بيني و بين نفسي، ترى من أول من أطلق عليهم هذا الإسم؟

و تبدأ رحلة استكشاف المنتوجات و طريقة استعمالها و الأشياء و طريقة التعامل معها، طبعا هذا كله بعد إتمام الأوراق و الحصول على رقم التأمين الاجتماعي الذي يخولك البحث عن عمل، فبدونه لن تستطيع فعل شيء.

في البداية الجميع تقريبا يتوجه إلى المحلات التجارية الأفغانية أو المغاربية المنتشرة في كل مكان فهي بالإضافة إلى توفرها على اللحوم الحلال، فإن القادم الجديد يجد فيها منتجات البلاد بما في ذلك “الصابون البلدي” و “الغاسول”، كل شيء موجود، حتى المنتجات التي كنت فقط تسمع عنها موجودة هنا، و طبعا هذا ليس مستغربا، فهنا في هذه البقعة من العالم تجتمع كل الأجناس و الجنسيات و الإثنيات، و هم يعملون بشكل يجعل كل هذه الجاليات تجد ما تعودت عليه في البلد الأم بحيث لا تشعر بالاغتراب، و هكذا ربما الجميع سيحب كندا.

و لكن، الذين أحبوا كندا حقا ليسوا أولئك الذين قدموا بأجسادهم و ظلت أرواحهم تغادر البلد حين ينامون لتستأنس ببلدانهم الأصلية، ليسوا أولئك الذين لا تربطهم بها إلا وظيفة من أجل حياة كريمة و الاستفادة مما تمنحه من خدمات مجانية، و هم قلبا و روحا لا يفكرون في شيء غير ادخار المال و قطع التذكرة للبلاد، و طول الوقت يتحدثون عن الفواكه و الخضر، الدلاح و الكرموس الهندي الذي يفتقدونه،

الذين أحبوا كندا، هم الذين حين يمشون في طرقاتها و بين الأشجار في منتزهاتها الخلابة، فيستطيعون سماع حفيف الشجر و هو يخاطبهم هامسا أن هذه الأرض تباركهمـ بصقيعها الممتد على طول 6 أشهر و صيفها الماطر و ألوان خريفها الملهمة للشعراء.

الذين أحبوا كندا، هم الذين لم يتبرموا من عادات أهلها و لا انتقدوا تواضع أكلاتهم، فهنا الكبيكيين يفتخرون بال “البوتين” و يعشقونها، رغم أنها عبارة عن بطاطس شبه محروقة مع جبن و صلصة من شراب القيقب، يعشقون “البيجل” و “الباتي شينوا” و يستطعمون لذتها.

الذين أحبوا كندا، هم الذين تأقلموا مع آنية الحليب المختلفة عن كل دول العالم، و تقبلوا غلاء الخبز المبالغ فيه، أتذكر أنني ممن جحظت أعينهم و أنا أنظر إلى سعر 8 قطع من الخبز ب 5 $.

الذين أحبوا كندا، هم الذين لم يزعجهم هدوء الناس هنا و لا أصواتهم الخفيضة، و أتذكر في هذا الصدد حين كنت قادمة حديثا، لمحت صديقة لي من بعيد و انا أقف في محطة الباص، ناديتها بصوت مرتفع، فأثرت الرعب في كل من هناك، التفتوا إلي و عيونهم يملأها الخوف و كأنني صرخت فيهم، ردة فعلهم جعلتني أتمنى أن تنشق الأرض و تبتلعني، و الأخطاء التي نرتكبها حال وصولنا لا تعد و لكنها الحمد لله متجاوزة.

أحببتُ هذا البلد لأنها أشعرتني بالأمان، و هذا يكفي ليجعلك تشعر بالامتنان، أنت القادم من بلد تشعر فيه أن البشر و الشجر يترصدك، و الشرطة ترمقك بعين العدو و الإدارة تستهين بك و تنتقص من قدرك.

هذه الكندا ليست الجنة و ربما لا تشبهها في شيء، و هي بلاد سيئة لأولئك الذين يحملون داخل رؤوسهم أدمغة متحجرة و لا يستطيعون الانفتاح على الآخرين، و لا يتقبلون الاختلاف و لا تسمية الأسماء بمسمياتها، سيئة للذين خرجوا من قمقم و أتوا بقمقمهم معهم يقبعون فيه و ينظرون إلى الآخرين على أنهم الجحيم.

و في النهاية، أنت سترى كندا بنظارات تحملها في قلبك قبل عينيك، لذلك، إن كنت تؤمن بالاختلاف و الحرية ستحبها.
ستحبها إن كنت ممن يهتمون لشؤونهم الخاصة و يحب أن لا يتدخل الآخرون في شؤونه.

المصدر: أصوات مهاجرة

شاهد أيضاً

شرفة الياسمين: سوق مدحت باشا والشارع المستقيم بدمشق

بقلم: محسن القطمة| مسيساجا سوق مدحت باشا وهو بداية الشارع المستقيم، الذي يوصلنا في نهايته إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!