الرئيسية / أراء ومقالات / الوطن بين الشعور بالانتماء إليه أو التنكر له

الوطن بين الشعور بالانتماء إليه أو التنكر له

بقلم : سمية اكرام

هل سألت نفسك يوما أيها المواطن العربي إذا ما كنت تحس بالانتماء إلى وطنك،لاشك أن هذا السؤال حتى وإن لم يطرح صراحة فهو يموج أحيانا في أعماقنا،

إلا انه غالبا ما نجد الجواب يتحول تباعا إلى سؤال مفاده ماذا قدم لي هذا الوطن حتى أشعر بالانتماء إليه والحب اتجاهه؟

لتتحول العلاقة بينه وبين وطنه إلى علاقة مقايضة تنبني على أساس الأخذ والعطاء.

ومادام أن معظم دولنا العربية ترزح تحت وطأة الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل المواطن العربي مشغولا بلقمة العيش، غارقا في دوامة من الاحتياجات له ولأسرته، فإنه إذا ما سألته عن حب الوطن تجده يتهكم على السؤال في حد ذاته.

فما الذي يجعل هذا المواطن يعيش في وطن لا يحس فيه بأدنى انتماء له، هل هو الفقر القابع فيه من يشغله عن التفكير أصلا  فيما إذا كان يختلجه هذا الشعور، بشكل يجعله يعتبر الأمر من التفاهات كما يحب أن يسمى ذلك بعيدا عن بريق الألفاظ واتساقها؟

لكن ربما الإشكالية أكثر عمقا من ذلك، تتعدى الفقر إلى مسألة غياب المساواة،لذلك فإن الكثير يرى أن الفقر إذا كان عاما بين جميع ساكنة الوطن لقلة خيراته ومحدودية ثرواته، يجعل لديهم الأمر متقبلا  بنوع من الرضي.

 لكن أن تكون قلة من المجتمع من تحتكر النسبة الأكبر من تلك المقدرات فيما يتبقى الفتات لباقي الشعب بشكل لا يغطي  حاجياته ولا يضمن له الخدمات الضرورية من تعليم وصحة، فإن هذا لن يخلف سوى الإحساس بالقهر والظلم والميز بشتى أنواعه،  فكيف سينضر حينها المواطن المضغوط إلى وطن مدخراته بعيدة المنال عن أمثاله، قوانينه الزجرية  هو المقصود بها تشريعا وتنفيذا، المناصب فيه معينة سلفا؟

 لذلك لا يستغرب ممن يردد “يوم أغادر هذا البلد لن أعود إليه مجددا”  دون أن ينسبه إليه باستعمال ياء المتكلم ” بلدي”، وطبعا يقصد المغادرة إلى الدول الغربية.

كثيرا ممن هاجروا إلى هذه الدول وحصلوا على جنسياتها اعتبروها أوطانهم، اقتناعا منهم أن الأرض التي تصان فيها حقوقهم و تضمن كرامتهم هي أرضهم.

الأمر فعلا مؤسف أن يتنكر لا بل ويبغض الإنسان الأرض التي حملته بعد أمه وغذته من خيراتها وأسكنته على سطحها ونعم بطيب هواءها وجمال طبيعتها وروعة جبالها وسهولها ووديانها وتنوع ألوان زهورها وأوراق أشجارها ولذة ثمارها وأشجان ذكرياته مع الأحباب والأصحاب.

لكن الظلم القهر والاستغلال والاستعباد والحاجة، كفيل بأن يجعل القلب ينفر من حياته ومعها الأرض التي يعيش عليها، لينعم بها فقط من يملك مفاتيح الثروة والسلطة.

ورغم كل هذا السواد فلا يزال الكثير ممن يحلم بالتغيير حتى ينعم بالسعادة في وطنه الذي يحبه ويتحسر على ما يحل به من نهب وتدمير، أو خيانة من آلت إليهم مقاليد الحكم لأنهم شكلوا اليد التي يبطش بها الأعداء وطنهم، وبالتالي النيل من استقلاله.

لكن أحيانا تقع أحداث يجتمع عليها سواء من يدعي بغضه للوطن أومن يهيم عشقا فيه كالملتقيات الرياضية، فتجد حتى ذلك المقيم في بلد أجنبي والحاصل على جنسيته يشجع فريق موطنه الأصلي بشغف كبير بل وتأخذه الحمية ضد الخصم، ويكاد يفقد عقله في حالة الفوز من شدة الفرح، إنه سحر الوطن وأنت ترى علم بلدك خفاقا عند أي انجاز يحققه أبناؤه في محفل دولي.

 الانتماء للوطن جزء من منظومة الأخلاق المتكاملة التي يجب أن يغذى بها الطفل منذ الصغر، من هنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والتربوية في تنمية هذا الشعور عند الطفل عبر زرع بدرة الحب لديه اتجاه وطنه، وحثه على تحمل المسؤولية حياله وأن يكون له دور فاعل في المجتمع، بطريقة مبسطة تتطور وتكبر مع تقدم عمر الطفل إلى أن يصبح شاباً ينتفع به المجتمع والبلد.

فيتحقق بدلك المعنى الحقيقي للانتماء للوطن وهو صدق الإحساس بحب الوطن والذوبان الوجداني برفعته ووحدة كيانه وقوته ورقيه، والتفاعل الايجابي مع أحداثه ومتغيراته، والتناغم مع السلم الاجتماعي وإن تعددت البرامج السياسية والمشارب الفكرية والحزبية.

شاهد أيضاً

المُطبلون العرب في كندا..

بقلم: معتز أبوكلام يخرج علينا كل فترة مُطبل أو مُزمر جديد يهوى التزمير ولفت الأنظار  وإثارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!