الرئيسية / أراء ومقالات / فصول من القصة الكندية

فصول من القصة الكندية

للكاتب : خالص جلبي

مع  تساقط أوراق الخريف وزحف البرد الكندي، يلتئم شمل العائلة في المساء على وليمة فاخرة من لحم الديك الرومي وقرعة العسل (اليقطين)، إنها أيام أكتوبر ونوفمبر في الشمال الأميركي للاحتفال بيوم الشكر (11 أكتوبر في كندا و4 نوفمبر أميركا).

وحالياً نشهد زحفاً عربياً للاستيطان في كندا، كما فعل الأوروبيون قبل أربعة قرون، فاحتلوا هذه الأرض البديعة. إنها عبارات سمعتها من القاضية الكندية في أداء قسم نيل الجنسية: أيها المهاجرون نعلم طبيعة الرحلة التي قطعتموها، والأوطان التي خلفتموها ودخلتم هذه الأرض الجميلة كندا! وعلى المهاجرين فهم تقاليد أهل هذا البلد ومنها أعيادهم.

فعلاً يحق لمن يصل لهذه البلاد أن يسعد لثلاثة أمور: الرزق والأمن واحترام الإنسان. ولكن فصول القصة تبدأ قبل أربعة قرون من الآن حين انطلق مارتن فروبيشر في عام 1578م في رحلته الأولى من بريطانيا على رأس 15 سفينة، في محاولة إنشاء أول مستعمرة بريطانية صغيرة في منطقة «نونافوت» حيث السكان الأصليون، ولكن ثلوج كندا وصقيعها السيبيري كان غير البرد الإنجليزي المنعش، فبرد الشتاء هناك لا يقارن مع البرد الكندي الذي تنزل فيه درجة الحرارة إلى ستين تحت الصفر أحياناً، وهكذا تعيش كندا في فوارق حرارية هي فوارق مخيفة!

ولذا لم يستطع ذلك الرحالة الإنجليزي أن يؤسس شيئاً وبدأ طاقمه في الموت البطيء، فهلك عُشر البحارة وهم يرتجفون برداً وجوعاً، فما كان منه إلا أن يظفر من الغنيمة بالإياب.

وسمع الفرنسيون بحرص أخبار الرحلات الإسبانية المحملة بالذهب والفضة، حيث تبنى بيوت من زخرف لفرديناند وإيزابيلا، فقد فك السحر «كريستوفر كولمبس» فبدل الاقتتال مع الأتراك في الجبهة الشرقية، حيث انفتحت عليهم كنوز خلف بحر الظلمات وراء مضيق هرقل الجبار، وهكذا فقد كان الضغط العثماني فرصة لهم، حين أصبح ظهرهم للمحيط، أن يمخروا عباب المحيط بجسارة، فيمتلكوا قارتين وآلاف الجزر الغنية. وكان الإنجليز يهجمون على السفن الإسبانية المحملة بذهب المكسيك وفضة البيرو. وضمن التنافس المحموم دخلت على الخط جزيرة ذات مهابة اسمها اليوم إنجلترا أو بريطانيا العظمى، لتهزم أسطول «الأرمادا«الإسباني، وتتخلص من الكثلكة إلى الأبد.

وفي عام 1604 اشتدت المنافسة فانطلق «صامويل شامبلين» الفرنسي إلى ما يعرف بكندا الحالية، واحتفل مع السكان الأصليين بأول عيد شكر على الوصول بالسلامة إلى الأرض الجديدة، لتنشأ لاحقاً ولاية كيبيك (فرنسا الجديدة) التي يتدفق إليها المهاجرون من أطراف المعمورة، ويتعلمون لغة لويس الرابع عشر.

وفي أميركا حصل أمر مغاير فقد هرب بريطانيون من الاضطهاد الديني إلى هولندا ومنها ركبوا قارب الموت (Mayflower) فمات منهم الكثير. ووصلوا أخيراً إلى مدينة بليموث من ولاية ماساشوست الحالية في عام 1620، وهناك كادوا يموتون جوعاً وقراً فأشفق عليهم اثنان من الهنود الحمر هما «ساموسيت» و«سكوانتو» فأطعموهم وعلموهم الصيد والزراعة كي يصمدوا ويبقوا على قيد الحياة، فرد المستوطنون الجميل بأفضل منه! بإبادتهم بالبنادق وحصرهم في محميات خاصة، كما حصل في كندا في جريمة القرن مما دفع الحكومة الكندية إلى مراجعة ما حدث وقدمت تعويضاً بمبلغ 800 مليون دولار مع عيد الشكر الكندي لعام 2017.

أما في أميركا فيحتفل بيوم عيد الشكر في الرابع من نوفمبر، فيضحى في مذبحة عارمة بـ11 مليون ديك رومي في يوم واحد، وقد قرر الكونجرس عام 1989 أن يهدي ديكاً واحداً للرئيس الأميركي على قيد الحياة فيعفو عنه، وكأننا في روما القديمة مع اقتتال المجالدين والعفو عن البطل بمنحه سيفاً خشبياً!

شاهد أيضاً

أما آن الآوان لنهوض هذه الأمة!!

بقلم: معتز ابو كلام أمة لديها كل مقومات النهوض لكنها لا تنهض!! إشكالية غريبة ولعلها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!