الإثنين , سبتمبر 23 2019
enar
أخبار عاجلة
الرئيسية / أراء ومقالات / ليالي المرقص الوطني في الخارج

ليالي المرقص الوطني في الخارج

 بقلم: جاكلين سلام

شاعرة وكاتبة مترجمة سورية – كندية

في المرقص الكندي الذي رواده عرب من كل الأطياف والأعمار يرتفع منسوب الحمأة الوطنية حين يردد المغني الشاب “حيّو سوريّا” بالعامية أو
“تحيا سوريا”، العربية الفصحى وعلى سبيل التحيات الوطنية الجامحة لسوريا تغلي الاجساد وتشب الى الساحة، على قدم ونصف. المهاجرون الذين في الخارج يحتشدون في هذا المرقص، وليس لنا أن نعرف هويتهم المعارضة أم الموالية، فالاضاءة شحيحة، وهذا ليس من شأن الذاهبين الى سهرة ترفيهية.

يتعالى صخب الايقاع العربي العالي المنغمس بدخان الاراجيل الكثيف، الممتزج بأضواء خافتة زرقاء وحمراء وخضراء، في المحفل العربي الراقص القابع على أطراف تورنتو، حيث يجتمع الشباب والصبايا لينفضوا عن غربتهم بقايا البرد والعزلة خلال شهر كئيب بارد وعاصف يطيخ بأشجار كندا، بيوتها وشوارعها، ويهل علينا بكل أنواع العواصف الطبيعية، التي ليست طبيعية. لا شيء طبيعي هنا وهناك، في هذا المرقص، في هذا الجليد، في هذا العالم وهو يستقبل عاما جديداً. 

تنفعل الأجساد مع صخب الموسيقى والطعام والشراب… فتهرع الى ساحة الرقص، فلا تعرف إن هي متألمة أم أنها منتشية، أم أنها مخدرة تحت مؤثرات شتى. 

المغني الذي لمّع حذائه جيدا، ووضع كمية كثيفة من مثبت شعر كثيف، تحافظ على خصلات شعره الأمامية شعره مرفوعة كعرف الديك، صار يتقن صنعته في هذا الزمن حيث الموت والحرب تحصد أشجار البلاد وأرواح العباد، وتحرق ما تبقى من البيوت، وتفجر ما تبقى من آمل بالخلاص من رجس القتل المحلي والمستورد خصيصا لهذه المرحلة القللة من تاريخ الشعوب. ويبدأ المغني بالقاء التحيات على الشعب الراقص المتضامن في هذه الساحة مع قضايا الامة. يحيي المغني الأقطار العربية قاطبة – لم اسمها لانكم تعرفوها عن ظهر قلب. وحين يصل الى القاء التحيات على سوريا، ينفعل المرقص كلية، تتبارى الأجسام بالهياج ورفع الأكف في الهواء – نحو الله ربما، ثم الترنج بخفة على وقع اللحظة، تتلوى ألما، أو شبقا، أو على سبيل الانفعال البريء. لا أحد يمكنه أن يتكهن بما يجري في كنه الأجساد المهاجرة الهاربة من البرد، الغارقة في ليل العالم البارد، اللاجئة إلى المجهول. 

السيدات اللواتي يلبسن فساتين لا يصلح طولها سروالا داخليا لجدات من بلادي، يبدعن في الرقص وجذب الأنظار الجائعة والشرهة. السيدة المتناسقة في حجم أعضائها المكشوفة – تنفعل بشدة، تقفز على وقع العبارة “حيّو سوريا واهل سوريا وشعب سوريا” ويقفز طرف الثوب الأسود الشفيف الى أعلى، فيظهر ردفها المسبوك النحيف، الأيمن ثم الأيسر وهي تتمايل مع الإيقاع، ويتمايل الشباب المتحلقين في المرقص الشاسع حول طاولات محتشدة بالاراجيل الطويلة العامرة بالجمر. ينفث الشباب الجمر، وينفث آهات وطنية شبقية، وما شابه. يرفع أحدهم يده في الهواء ويصرخ: “كاسك يا وطن..” فيقاطعه آخر من طاولة أخرى وفي يده خرطوم الارجيلة ويقول “كــ… أخت…” يبدأ الخناق، فيتدخل (حارس الامن) وبفض العراك بين الجمهور العربي… ويستمر الغناء…

تنفعل تلك الشابة التي تلبس ثوبا أحمر قصيرا ملتصقا بفخذيها، وتشده الى الأسفل كلما تذكرته أنه ما يزال هناك حشمة، فيتأرجح ثديها العامر المكشوف بحماسة وجرأة، يهتز معانقا الأضواء والدخان وروائح الاجساد المتشابكة على مقربة وسط ساحة معبأة بالحياة. تشد ثوبها الى الاسفل، تشد حمالة الصدر إلى أعلى، ترفع شعرها بدلع مبالغ فيه، تتمايل كأنها سنبلة في وجه الريح. تتمايل، فتصطدم بالرجل الذي يرقص في جوارها ويوشك العراك أن يحتدم مع كل صدمة مقصودة أو عرضية. لا ننسى أن المرقص كان بحماية أكثر من خمس رجال حراسة أمن المكان لحفظ السلامة العامة ومراقبة أي تحرش – لا أخلاقي محتمل.

المغنى يرى الانفعال الوجداني الحار والحاد، فيصر على القاء التحية على سوريا مرارا. يهتاج المرقص. تسترعي انتباهي تلك السيدة التي يصعب عليها أن تتوازن لسبب ما، فلا تتمالك نفسها كأنها مخمورة بوطنيتها- لا أستطيع الجزم بأنها سورية أم لبنانية – فترفع طرف قميصها الأزرق الشفاف إلى أعلى وهي تنظر الى سقف المكان، متناسية صدرها المكشوف للهواء والأضواء ونظرات النساء والرجال معا، تنظر الى السقف كي تشتكي إلى الله أو ربما تبتهل طلبا للخلاص. خلاص جسدها وجسد البلاد العربية والكندية والعالم…

العيون تحملق في الفراغ، تحملق في كعوب الأحذية العالية، في المؤخرات، في الأثداء، في الشفاه التي تشرب دخان الارجيل بشبق ونهم، وتشرب بيرة خالية من الكحول، وتأكل مقبلات سورية ولبنانية مصنوعة على مذاق الوطن. وترقص السيدات حول الطاولة، ويترنح الرجال حول الطاولة اكراما لسوريا، لمصر، السعودية، الاردن، دول الخليج، العراق، اليمن، فلسطين وسائر المشرق. لم يستثني المغني أحدا. لفت نظري الرقص المتقن الذي يجيده شباب من دول الخليج. ويجدر الذكر أن أغلب هؤلاء الشباب، يذهبون إلى السهر دون نساء، ويرقصن في حلقات متناغمة مع اللحن.

“حيّو سوريا” وتحيا هكذا في ليلة هوجاء، على إيقاع عربي واجنبي- يشارك فيه بعض”المناضلون والمناضلات” في الخارج الذين تعبوا من اللقاءات مع هذا وذاك، وتعبوا من النضال على “الفيسبوك” أو وراء الكواليس في حضرة مسؤول ما، وتعبوا من انتظار لا شيء.

هكذا دوما، ويختلط العهر بالوطن، بالوطنية، بالشبق، بالموت، بالغربة، بالضياع هنا، كما هناك. وكأن هذه الخلطة الرهيبة العجيبة صناعة محلية داخلية شرقية وليست مستوردة. إنها بضاعة الأوطان السليبة وردت إليها في ليلة من ليالي تورنتو الكندية الشتوية الكئيبة، أو في ليالي امريكيا أو باريس الأنيقة المحتشدة بالمهاجرين والمنفيين،أو في ليالي البلاد المهزومة التي ترقص رعبا وعنفا منذ ألف عام، ومنذ أن تربعت السلطات الأبدية على رقاب الشعب، وفصلت لهم فساتين بمقاييس وألوان محددة، وفصلت لهم نوعا محددا من الشراب، وطريقة معينة في الاجتماع بين الحريم والمحرمين. بلاد أنجبت كل هذا الزخم من القسوة والتفسخ وتركته يتلاطم في عتمة العالم.

حين انتهت السهرة وبدأ الجميع بارتداء ثيابهم الشتوية السميكة، وعند الباب الخارجي وفي درحة حرارة تتجاوز (ناقص 30) كان بعض الشباب يدخنون أمام الباب، ويتحدثون في السياسة بصوت صاخب وعنيف. أحدهم احتدم غضبه وهو يسمع رأيا يخالفه حول الربيع والشتاء العربي، فمسك الاخر من قبة قميصه وشتمه برشقة من الألفاظ البذيئة وانصرف وهو يبصق على الأرض ويقول”ابن ش…….خائن أيضا”!

وكان حارس المكان غائبا في الزاوية يقبل إحدى الفتيات وعلى وجهه ابتسامة بليدة، وكان وجه البنت مهدلاً وحزينا كعلم البلاد المخلوع في أكثر من مكان.

شاهد أيضاً

الان في جميع منافذ التوزيع في مقاطعة أونتاريو العدد 323 من صحيفة الوطن

قراءنا الأعزاء،،، أسرة صحيفة الوطن تتمنى لكم قراءة ممتعة لعددها الجديد ٣٢٣ حيث المواضيع المتنوعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!