أخبار عاجلة
الرئيسية / أراء ومقالات / ماذا حدث للكنديين؟

ماذا حدث للكنديين؟

كتبت : منى هاشم | لكندا اليوم

على غرار اسم كتاب شهير كتبه جلال أمين بعنوان ماذا حدث للمصريين، أجدني اليوم أكتب مقالتي هذه في محاولة متواضعة مني لفهم ماذا يحدث. مضى -ما يقارب- العشرون يومًا على حادثة قتل ستة من المصلين المسلمين في مسجد في مقاطعة كيبك، واليوم أثناء صلاة الجمعة في تورنتو، المدينة الأكثر تعددية في ولاية انتاريو، ويعتبرها البعض العاصمة الاقتصادية والقلب النابض لكندا، تجمَّع ما يقارب الخمسة عشر شخصًا حول مسجد في وسط تورنتو، حاملين خطابات تنم عن الكراهية. إن قلنا إن ما يحدث في كندا إن هو إلا أصداء تولي ترامب الحكم، نكون كمن ينظر إلى قمة جبل الجليد من على سطح السفينة، فإذا رأى أنها كتلة جليد عابرة، ولم يحوِّل مسارَه، فأن السفينة -لا محالة- غارقة. ربما يكون ترامب قد شجع الجماهير الغاضبة أن تنطق بما تحويه الصدور، ربما أرسل لهم إشارات أنَّ ما يدور داخلهم يشاركهم فيه الرأي آلافٌ مثلهم. لكن لِمَ كان الكنديون صامتين كل هذه السنوات؟ في الحقيقة لم يَخْلُ الأمر من حوادث فردية كنا نسمع بها بين الحين والآخر ونعدها حوادث عارضة، وتعرَّض الكثير منَّا خاصة في مجال العمل لعنصرية، أذكر أن أول سائق مسلم قابلته، كان اسمه “ستيف” وكان يعمل بتوصيل الأولاد المسلمين، وكم كان مضحكًا أن نناديه ب “ستيف” ونحن نرى لحيته الطويلة وعلامة الصلاة على جبهته، لكن رأيت الكثيرين بعد ذلك مثله، الصينيون مثلًا، يتركون أسماءهم الأصلية، ويتسمّون بأسماء سهلة حتى لا يتم استبعادهم من المسح الأولي في التقديم لوظيفة. أضف إلى ذلك شدة القوانين، إذا ما ثَبُت أن شخصًا قام بتصرف عنصري ضد شخص آخر.

طوال العشرة أعوام المنصرمة، كانت الحكومة تنتمي لحزب المحافظين، والناس مع كل مرة يتغيَّر فيها رئيس الوزراء، تأمل في الأحسن، لكن فضائح الفساد المالي تنكشف من حين لآخر، نعم، في كندا، كما في أي دولة في العالم هناك بشر فاسدون، طامعون، لكن -غالبًا- ما تُثار الفضائح لغرضٍ ما، فقد يكون توقيت كشف الفضيحة مرتبط بانتخابات محلية مثلًا، أو تتضارب المصالح لجهات كثيرة. أذكر فضيحة رئيس شركة الطائرات الهلكوبتر المخصصة للإسعاف السريع (Ornge)، وكم تقاضى ال-(CEO) السابق من ملايين في صفقات مشبوهة تمَّت قبل أن تتم إقالته.

لكن هل تنكشف كل الفضائح؟ لا.

هل يستقيل السياسيون أو المسئولون بعد الفضيحة؟ ليس دائمًا.

 هل يُحَاكَمون أو يُسجَنون؟ على قدر معلوماتي في الغالب لا.

يرى المواطن متوسط الدخل كل هذا المال الذي يُصرف في غير موضعه، هذا العامل أو الموظف الذي يكدُّ طوال الأسبوع، ويدفع ما يقارب ثلث داخله للضرائب، أما أصحاب الأعمال سواء الكبيرة أو الصغيرة، فلهم نظامٌ ضريبيٌّ يمكنهم غالبًا من دفع أقل ما يجب أن يدفعه، وعلى جانب آخر، يساهم نظام التكافل الاجتماعي الذي تتبعه الدولة، وصرف إعانات المعيشة، يشجع هذا النظام ضعاف النفوس، والباحثين عن حياة أسهل بلا تعب، على مواصلة الحياة بهذا المنوال، خاصة أن بعضهم يعمل –فعلًا- بدون إبلاغ الدولة، بدون أن يدفع ضرائبه، فترى منهم من يمتلك البيوت ويعيش حياةً جيدةً، ولم يبذل جهدًا يُذكر، أما الطبقة العليا من حيتان السوق وأصحاب المراكز العليا والسياسيين، فحدِّث ولا حرج، فلهم مخصصات وبدلات كثيرة ومعاشات محترمة بعد تقاعدهم.

في عام 2008/2009 دخلت كندا في ركود اقتصادي أدَّى إلى تخفيض العمل أو إنهاء تعاقدات الكثير من العاملين. ولا تزال آثار هذا الركود موجودة حتى اليوم. مع كل ما يحدث من ظروف اقتصادية وتردِّي الوضع للأسوأ، وارتفاع الضرائب وأسعار الخدمات، يحتاج الشخص العادي إلى ما يصُب عليه جام غضبه، ولسبب ما لا ينصبُّ هذا الغضب على الحكومات، إنما ينصبُّ على المهاجرين عامةً، بدعوى أنهم يقاسمون أهل البلد وظائفهم المحدودة، هذا لو تجاهلنا -طبعًا- أن أهل البلد الحقيقيين هم ما يُطلق عليهم “الهنود الحمر” وغذَّى هذا الفكر رئيس الوزراء السابق “هاربر” الذي كان بصدد تشريعات تماثل إلى حدٍّ كبيرٍ ما يقوم به ترامب على الجانب الآخر الآن، ثم ظهر ترودو الابن، بكل ما يحمله من وسامة، وشباب، وبساطة، إلى جانب تاريخ والده المعروف، ورغبة في حدوث تغيير منشود، وخوفًا من القرارات العنصرية التي كان يعتزم “هاربر” إصدارها، اكتسح الحزب الليبرالي الانتخابات الماضية، وظلَّ معظم الناخبين في نشوة فرحتهم عدة شهور. لكنَّ الوضع الاقتصادي يبدو كما هو، إصلاحات هنا، تقابلها زيادة ضرائب هناك. ثم قررتْ كندا استضافة اللاجئين السوريين، وكأن هذا كان القشَّة التي قصمت ظهر البعير. وعَلِمَ المواطن العادي الكادح تكلُفة هذه الاستضافة الباهظة، والتي بالتأكيد ستُضيف عبئًا على موارد الدولة. تخيَّل حال هذا المواطن، وهو يسمع أن اللاجئ سيُدفع له راتب لمدة سنة كاملة هو وعائلته، وبعد ذلك ينتقل تلقائيًّا إلى الإعانة الشهرية، وتتكفل الحكومة بدفع الإيجار لمدة سنة أيضًا، ثم يشاهد في التلفاز صور أول دفعة قُدمت، ومعظمهم كفالات خاصة وليست حكومية “أي أن الحكومة لا تتكفل بهم” ونِصْفهم -على الأقل- مسيحيون، لكن المواطن الكندي لا فرقَ بالنسبة له، كل السوريين مسلمون، أتصوَّر في تحليلي المتواضع أن هذا المواطن أحسَّ أنه فريسة، وارتفعت أصوات كثيرة غاضبة في تعليقات الصحف؛ والتي كنت أواظب على قراءتها يوميًّا، تُطالب ترودو بإعطاء الأولوية للفقراء والمتسولين الكنديين الهائمين على وجوهم في الشوارع، والعاطلين عن العمل، وصبَّ معظم المعلقين نيرانَ غضبهم على الإسلام والمسلمين، لماذا؟ لأن الإعلام الذي ظلَّ على مدار سنوات كثيرة، قبل انتخاب ترودو، يشحن أدمغة المشاهدين بأن كل مصيبة في العالم تحدث يكون مسلمٌ وراءها، هذا الإعلام صوَّب دائرة ضوئِهِ على مجيء اللاجئين.

وتتابعت الصور واللقاءات في كل نشرات الأخبار، بعض اللاجئين الذين قدموا في أول دفعة، مرتَّبين الملابس، والفتيات مصففات الشعر، معهم أجهزة هاتف حديثة، ولا يبدو عليهم مظاهر الاحتياج، الحق أنني –شخصيًّا- ألتمس لهم بعض العذر في غضبهم، لكن ينبغي أن نذكر أن الأصوات الغاضبة، قابلتها أصوات مسالمة كثيرة، قامت بالترحيب باللجان وجمع التبرعات لهم، فيما يبدو أن الشعب الكندي انقسم إلى قسمين،بعد مجيء اللاجئين من سورية.

ربما يؤيد تحليلي هذا، الاستبيان الذي قامت به جامعة تورنتو وماكجل، بالتعاون مع مؤسسة ابسوس، وكان حجم العينة 1500 كندي، أجاب ثلثهم أن الحكومة يجب أن تقوم بالتمييز العنصري ضد المسلمين، والثلث الثاني، أجاب بأن على الحكومة أن تمارس التمييز العنصري ضد الأشخاص الملونين، مع إعطاء الأفضلية للبيض.

http://www.huffingtonpost.ca/2014/11/03/deb-matthews-ornge-air-ambulance_n_6095550.html

https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_political_scandals_in_Canada

http://www.huffingtonpost.ca/2017/02/07/canada-immigrants_n_14635892.html?utm_hp_ref=canada

 

شاهد أيضاً

البيت الفلسطيني في كندا .. كما رأيته

بقلم : مراد أبو شباب   ذات يوم وبينما كنت غارقاً في رحلة الإغتراب الجديدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!