“ورشة البحرين الإقتصادية”: رشوة مالية وتصفية سياسية

----- هذا الخبر برعاية -----

سمير جبور

مستشار التحرير صحيفة الوطن الكندية

في 19 أيار الجاري، أعلن بيان بحريني أمريكي مشترك، أن المنامة ستستضيف بالشراكة مع واشنطن، ورشة عمل اقتصادية تحت عنوان “السلام من أجل الازدهار” وذلك  يومي 25 و26 من الشهرالمقبل وهذه الورشة تمثل الشق الإقتصادي، لتسويق خطة التسوية المرتقبة، المعروفة إعلاميا باسم “صفقة القرن”، التي يتردد أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين، على تقديم تنازلات مجحفة لصالح إسرائيل مقابل “رشوة” مالية  تتكفل بتمويلها السعودية وبعض دول الخليج .وقد أطلع وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، سفراء فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، على أهداف هذه  الورشة الاقتصادية، والتي زعم أنها  تستهدف “تنمية الاقتصاد الفلسطيني” وما تتضمنه من جوانب اقتصادية واستثمارية من شأنها تمكين الشعب الفلسطيني من التقدم والتنمية والازدهار.”               من نافل القول ان هذه “الورشة” (باعادة ترتيب حروفها) هي رشوة للشعب الفلسطيني لكي يتخلى عن المطالبة بحقوقه السياسية ونضاله من اجل انهاء الإحتلال ونزع الطابع السياسي للقضية الفلسطينية وتحويلها الى قضية معيشية. وبالطبع هي اساس “صفقة القرن” المعروفة. ونقلت صحيفة “إسرائيل اليوم” عن مصدر وصفته بالمقرب من البيت الأبيض، لم تذكر اسمه قوله إن ورشة العمل المخطط عقدها الشهر المقبل في العاصمة البحرينية “ستركز على الأرجح على الجوانب الاقتصادية لخطة السلام، ولكن سيكون لها جوانب سياسية أيضًا.” واضافت الصحيفة ان “المحور الرئيسي الذي تدور حوله الخطوات المتوقع تقديمها في المؤتمر، هو كسر دائرة إدامة الصراع، واستبدال المساعدات بالتنمية، والاعتماد على الاستدامة… نية الإدارة هي اقتراح سلسلة من الخطوات التي تضع الفلسطينيين على طريق النمو والازدهار، بحيث يكون هناك تغيير في حالة الفقر واعتماد الكثير من السكان على المساعدات، وسيقف السكان والسلطة نفسها على أرجل مستقلة.”

إن ما تبين حتى الآن من التسريبات أن الخطة الأميركية مؤلفة اذن، من مرحلتين. المرحلة الأولى هي “السلام الاقتصادي”، وتليها مرحلة “السلام السياسي”. وفكرة “السلام الاقتصادي” هي جوهر الخطة الأصلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لتسوية النزاع. وسبق لنتنياهو أن أعلن سنة 2008، حين كان زعيماً للمعارضة، أنه قبل إجراء أي مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين يجب إدارة “مفاوضات اقتصادية” معهم. وقال نتنياهو في سياق الخطاب الذي ألقاه في “مؤتمر هيرتسليا” الذي عُقد في تلك السنة إن السلام الاقتصادي هو بمثابة ممر نحو سلام سياسي في مرحلة لاحقة. وأضاف أن الهدف من هذا السلام الاقتصادي هو عرض أفق أمام الفلسطينيين فحواه أن هناك إمكاناً لتحسين حياتهم وجلب الطعام إلى موائدهم، مشيراً إلى أن هذا السلام سوف يستند إلى قوتين: الأمن الإسرائيلي وقوى السوق.”

والمعروف ان شمعون بيرس رئيس حكومة اسرائيل سابقا وضع خطة شبيهة لتصفية القضية الفلسطينية صدرت في كتاب حمل عنوان ” الشرق الأوسط الجديد”.وتحدث مشروع بيرس عن الإنتقال من “اقتصاد الحروب الى اقتصاد السلام” و”مصادر الإستثمار والتمويل”، “البنية التحتية للنقل والمواصلات”و” تطوير السياحة”. على ان يتم كل ذلك في اطار “كونفدرالية اردنية فلسطينية”.

----- هذا الخبر برعاية -----

اننا في حل عن تناول تفاصيل هذه “الصفقة” التي كتب وقيل عنها الكثير. ولكن لكي ندرك العلاقة العضوية بين”الورشة الإقتصادية” و”صفقة القرن” يكفي الرجوع الى الخطوات التي اقدمت عليها الإدارة الترامبية – الكوشنيرية: نقل السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس واعترافها بأن المدينة المقدسة هي “عاصمة اسرائيل الأبدية”. وقررت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 31 أب 2018، وقف تمويلها كليا عن “أونروا”؛ بدعوى معارضتها لطريقة عمل الوكالة، التي تواجه انتقادات إسرائيلية. وفي 22 أيار، دعا المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، خلال جلسة في مجلس الأمن الدولي، إلى نقل خدمات “أونروا”، إلى الدول المستضيفة للاجئين. وقال غرينبلات، إن على المجتمع الدولي “الإقرار بأن نموذج أونروا، خذل الشعب الفلسطيني.”

وقالت صحيفة “إسرائيل اليوم”، المقربة من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية:” على المستوى العملي، الاستعاضة عن أنظمة وكالة أونروا في مجال التعليم وتوزيع الأغذية ببرامج تطوير تنفذها منظمات غير حكومية دولية، ولكن تديرها السلطة الفلسطينية نفسها” وأضافت إن إدارة ترامب ستقترح إعادة تأهيل مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، وبناءها كمدن وبلدات فلسطينية دائمة. وسبق لمسؤولين فلسطينيين أن قالوا في الأشهر الماضية إن الإدارة الأمريكية الحالية التي أوقفت الدعم المالي لوكالة “أونروا” تسعى الى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين من المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية.

وسبق للمسؤولين ان حذروا من مخطط أمريكي لشطب مخيمات اللاجئين بهدف توطين اللاجئين وشطب حق العودة لهم. وبتاريخ 1 أيلول 2018، أعلنت إدارة ترامب “الوقف التام” للمساعدة الأمريكية لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وبعد عشرة أيام من إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وفي 20 حزيران 2018 انسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الانسان للأمم المتحدة. أن مشاركة السفير الأمريكي فريدمان في 21 شباط الماضي للمرة الثانية في المنتدى الاقتصادي الإسرائيلي الفلسطيني للغرفة التجارية والصناعية في الضفة، “خطوة أخرى تؤشر إلى اعتراف أمريكي بالمكانة الدائمة للاستيطان في المناطق”. وفي خطوة أمريكية أخرى “وبقدر كبير لإسرائيل” موجهة ضد إيران، عقدت الولايات المتحدة في 14 شباط 2019، مؤتمر وارسو، و”جلس علنا نتنياهو حول الطاولة ذاتها مع زعماء عرب”. وقد بلغت السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية حدا من الصفاقة لم يسبق له مثيل. ففي حين خضعت لجميع مطالب إسرائيل من دون شروط، تدعي انها تسعى الى حل القضية الفلسطينية في الوقت الذي تتنكر فيه لجميع الحقوق الفلسطينية التي تقرها جميع الشرائع الدولية. وقد أكدت صحيفة “إسرائيل اليوم”، أن “التأييد لإسرائيل من جانب الإدارة الأمريكية وجد تعبيره بأفعال وتصريحات عديدة على مدى السنة، ففي ذكرى “المحرقة” شارك لأول مرة وفد من سفراء الولايات المتحدة في أوروبا، كما نشر السفراء بيان تأييد لم يشهد له مثيل في إسرائيل”.

لا شك في أن النهج الذي تتبعه إدارة ترامب إزاء الفلسطينيين بلغ ذروة النفاق وهو ينطوي على تناقضات صارخة، فهي من جهة تعاقبهم وتحاول تجويعهم، ومن جهة أُخرى تدعو إلى عقد مؤتمر دولي تطلب فيه من رجال أعمال ودول عربية أن يقدموا لهم مساعدات مالية ومحاولة اغرائهم بالمال “لسد رمق جوعهم”. ناهيك ان ادارة ترامب اوكلت تنفيذ خطة تصفية القصية السياسية وألإشراف على صوغ خطة “تسوية النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني” والدفع قدماً بها هم ثلاثة من مستشاري ترامب: المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، ومستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنير، وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان. “وثلاثتهم من أشد المؤيدين لإسرائيل بصورة عامة واليمين الاستيطاني بصورة خاصة. بناء على ذلك كيف يمكن للفلسطينيين أن يؤمنوا بأنهم سيكونون “وسيطاً عادلاً”؟. فضلاً عن ذلك فإن هؤلاء الثلاثة يفتقرون إلى أي تجربة في إدارة نزاعات دولية، ومن الصعب الإيمان بكونهم ملائمين للدفع قدماً بمفاوضات تتعلق بنزاع معقد للغاية”، كما لا حظ احد المراقبين.. ولكي ندرك حقيقة المرامي الصهيونية من وراء “صفقة القرن” وذيولها ينبغي ان نعير الإهتمام الى ما صرح به اسحاق لفانون سفير اسرائيل سابقا في مصر مشيرا الى أمرين :

أولا: ان صقة القرن قسمت العالم العربي “الانقسام واضح للعيان. السعودية واتحاد الإمارات، الدولتان المهمتان والمؤثرتان في الخليج أعلنتا مشاركتهما في الورشة الاقتصادية في البحرين. السلطة الفلسطينية و”حماس” أعلنتا بصورة منفصلة مقاطعتهما المؤتمر. مصر والأردن مترددان. باقي العالم العربي يلعق جراحه. إيران تبتسم”. و”مصرتؤيد المطالب الفلسطينية بشأن الحل الدائم لكنها لا تدعم رفض أبو مازن صفقة القرن. تشعر مصر بالراحة في الحديث مع واشنطن، وتدعو الفلسطينيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والتعلم من التجربة المصرية إزاء إسرائيل”. وأضاف “وفي الواقع منذ تأسيس الجامعة العربية في سنة 1945، لم يظهر العالم العربي منقسماً كما هو عليه اليوم”.

ثانيا: تهديد الفلسطينيين وحملهم على قبول الإملاءات الإسرائيلية المغلّفة بحلة اميركية اذا قال ان “الرفض الفلسطيني للصفقة من دون معرفة مضمونها هو بمثابة قرار استراتيجي، لكن رفض المجيء إلى البحرين والاستماع إلى تفاصيل الخطة هو خطوة تكتيكية خاطئة. يجازف الفلسطينيون بكل شيء ويمكن التنبؤ بأنهم سيخسرون”.

وفي المقابل جاء رد الفعل الفلسطيني على الدسيسة الصهيونية – الأميركية – الخليجية واضحا لا لبس فيه: تبا لأموالكم الملطخة بدمائنا ولا تنازل عن حق واحد من حقوقنا ونحن لن نتنازل عن كرامتنا وبقينا صامدين  واحدا وسبعين عاما ولن  نستسلم وأنتم الخاسرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق