الخريف

بقلم  : ناديا مظفر سلطان |مهندسة معمارية كاتبة وفنانة تشكيلية 

امن قال إن الخريف كئيب؟ إنه فقط هادئ ورزين، جماله وقور، وحسنه فريد..الآن في كندا فيوضه اللونية تضفي على الوديان والجبال والغابات في كل حي ، وأمام كل دار وحول كل درب،هنالك قطعة من ردائه الأحمرالقاني الموشى بألوان رائعة: من أصفر فاقع،أو ذهبي متألق،أو برتقالي بهيج ، أو قرمزي داكن إنها ألوان حادة في المفهوم الفني ، وهي كذلك ألوان الحب والغيرة ، في المفهوم النفسي،أما الوصف الإلهي،فقد أشار السياق القرآني إلى اللون الأصفر على أنه بهيج يدخل السرور إلى نفس ناظره.
“إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين”البقرة69 كما أنه لون يعزز شعور النضج والاكتمال ويحرك جذوة الانفعال والانجذاب “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ” الزمر21.
فعلام نتهم الخريف أنه كئيب؟
إنه أيضا جواد كريم، عطاؤه سخي، وخيره عميم.
فأشجار النخيل لا تجود برطبها إلا بأوانه.
وأشجار السفرجل لا تبوء بثقل ثمارها الصفراء الجميلة إلا عند إطلاله. ولا يتربع التفاح على عرش الموائد إلا لأجله.
ولا يضحك جوف الرمانة الوردي إلا لقبلة شمسه الحانية . أما عناقيد العنب فلا تحلو وتطيب إلا بأيلوله.
وزيتونة الجبل لا يدر عطاؤها المبارك إلا بتبشيره.
وقطن بلادي الأبيض لا يحين قطافه إلا عندما تداعب خده الناعم رياح الخريف الندية. فلماذا نقول عنه أنه كئيب؟
إنه حكيم عتيد، رياحه واعدة. بعطاء شتوي قريب يحمل الغيث والغوث قد تغضب حينا فترقص رقصة ساخرة. ولكنها أبدا ليست ساخطة كتلك التي يأتي بها شقيقه الشتاء.
إنه عاقل دمث شمسه حانية،تداعب برقة وجنات الأطفال دون أن
تؤذيها و تمسح بعطف هامات العجائز في الحدائق دون أن تزعجها . فهي ليست نزقة متهورة كتلك التي يأتي بها شقيقه الصيف أما ذلك الشقيق الأصفر بجماله الربيعي الأخاذ، وغروره وكبريائه فإنه ينظر
إليه بعين المتسامح قائلا:أين عطائي من عطائك أيها الشاب الوسيم الشحيح. ولكن أحقا هو كئيب؟
إنه فقط يؤجج المشاعر، ليزيد من بهجة العيد، ويضاعف من كآبة الحزين،أما المغترب فسوف يقصف في أعماقه حتما وحشة ثقيلة باردة.
ولكن بأي شيء قد نتهم الخريف ؟
إنه حتما متهم بالسقوط، عندما يأتي تسقط الأوراق ،وتنزاح الأقنعة و تخسر الحجب.
ولكن لماذا نصفه بالسقوط؟ و نحن نشهد سقوطا في كل موسم، وكل حين، وهل السقوط لا يأتي إلا بالخريف ؟ بل.. هو الخريف وحده يبعث على السقوط؟
لقد عدت إلى الوطن في ربيع وصيف أعوام متتالية و في كل عودة كان هنالك خريف ينتظرني، في كل مرة كنت أشهد خريفا تتساقط فيه القيم والفضيلة وتهوي عنده شعارات الإخلاص ومواثيق الشهامة، أما عهود الأخوة والصداقة فقد زوت أوراقها بصمت أبكم حتى قبل أن تعصف بها رياح الأثرة والرياء و المادية .
حنين الى تراب وطني الذي جبلت من أديمه، واتمنى ان يضمني ثراه يوما وفاء الى الأرض التي أكلت من خيرها ، حنين ووفاء هما اللذان يحثاني دوما إلى العودة إلى الوطن عسى أن أعثر على أشجار تقاوم السقوط،أشجار دائمة الخضرة تتحدى الريح والصقيع ولكن هيهات فخريف السقوط، كان دائما يهزأ بي، ويعبث بأسماء الفصول التي طبعت على التقويم السنوي ،فينقضي آذار،ويرحل نيسان ،ويفرٌّأيار وتلملم شهور الصيف أحلامها وذكرياتها العذبة الماضية،وتسافر مسرعة دون أن يكون لها أثر إلا أوراقا تزدحم في سلة المهملات.
في كل رحلة إلى الوطن، كنت أنصت إلى حديث الأشجار العارية،وهي تلوم الجنائني أنه هو المقصر وليس نحن!!إنه لم يرو حديقته ، لم يقلم أشجارها، لم يحرث أرضها ، لم يطعم جذورها.. أحاديث لا تنتهي تحاول بها الهياكل العارية أن تدافع عن نفسها بتهمة التقصير والتباطؤ بعدأن فقدت أوراقها وجفت .
على بوابة حديقة الإسلام قرأت عبارة وأنا أدخلها، عبارة كتبها أحد المفسرين يقول:إن المؤمن شجرة باسقة،قد ينخر بها السوس ،وقد تسقط أوراقها ولكنها دائما تنمو وتشرئب لتعلو وتكبر، وتورق وتزهر ولو بعد حين. دخلت الحديقة منذ إثني عشر عاما ومنذ أن أعلنت التزامي بالتكاليف الإسلامية كانت الآمال تزدحم في خاطري أنني سوف أطأ فعلا جنة وارفة الظلال باسقة الأفنان،ولكن ما شهدت وعايشت كانت لوحات رسمتها في خيالي التواق إلى دخول هذه الجنات من النقاء، والصدق. لكن عادت رياح الخريف وعصفت بكل ما عشش في خيالي من آمال.
انتظرت طويلا في تلك الحديقة عسى أن ينقضي الخريف وتكتسي الأشجار،أن يعمل المسلمون بجد ودأب، ولكن يبدو أنهم قد ارتاحوا إلى تفسير الشيخ فلم يعد هنالك أي جهد يدرأ عن بنيانهم خطر الديدان الزاحفة يقول الله عز وجل <<وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون>> التوبة 105.
وفي الحديقة أنني كنت أتأمل بإعجاب مواكب الحجاج الباهرة ،ومجالس الذكر الساهرة وموائدالإفطار العامرة، ولكن،<<إلا من أتى الله بقلب سليم >> الشعراء89. ترى هل استوفت هذه الأعمال شرط القبول عند الحق سبحانه وتعالى بل إن الله عز وجل قد وضع الأعمال كلها في أرشيف الخسران واستثنى منها المخلصة لله ،النافعة للإنسان والإنسانبة،المكللة بالثبات والعدل <<والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحت وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر>>.أحيانا تضل الرؤية،وتلتبس الصور،ويزين للمرء سوء عمله،وتنمو بذرة خفية”الأنا”. في الحقيقة إنها هي السوس الذي ينخر بناء أشجار الحديقة ويجعل منها هياكل جوفاء. لماذا نلوم الجنائني ؟ لماذا نلعن ديدان الحقل ؟ولماذا نصب نقمتنا دائما على الراعي ونحمله وزرأخطائنا نحن الرعية ؟ هل الحاكم فقط هو سبب مأساتنا ؟أم أن المحكومين كانوا غياب الذهن والنفس. عندما غادرت حديقة الوطن ذات يوم، كنت آمل أن أعود إليها وقد تبددت شكوكي وأوهامي، لكن وفي كل مرة كنت أشد الرحال كانت خيبة الأمل ورقة أخرى تسقط لتعلن من جديد غياب عهود الوفاء والإخلاص وكل القيم
، وتصاعد نزعة الإستعلاء والزهو والأنانية و”الأنا”.في كل رحلة إياب كان هنالك دائما باحثون عن المناصب ومنقبون عن مستمعين ينصتون بولاء وخشوع إلى وعظهم وإرشادهم .<<من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون>>الروم32. وهكذا تتكاثر الأحزاب وتنمو الشيع ، وتصبح حديقة الإسلام موطنا لخريف الأحزاب. هنا في شمال أمريكا عرفت خريفا من نوع آخر. حدائق
كثيرة ولا أدري لماذا- على نعت نفسها” بجنة الإسلام “قدمت لزوارها إسلاما دون تكاليف !! قد تكون هذه المنظمات عوامل من الفردوس الحقيقي لكل من يبحث عن الحرية والسعادة والمال في هذه الحياة ولكن الإصرار على الإنتماء إلى عالم الإسلام شيء يبعث في النفس الحيرة والدهشة.هنالك منظمة متسامحة جدا أعلنت الثورة على موجودات الحديقة البائسة فاقتلعت الأشجار ،وأزالت الأزاهير،فلم يبق في الجنة الموعودة شجر أو زرع أوزهر في هذه الحديقة يقول الجنائني:إذا كان الحجاب يمنع المرأة من الحصول على عمل عليها أن تخلعه ،لأن الحجاب أصلا لا وجود له في الإسلام !. يقول أيضا:إذا وجدت في السنة الشريفة ما لا يناسبك،فاعتمد على القرآن فقط وحتى القرآن الكريم يمكنك أن تنتقي مايعجبك فتعمل به وتغفل مالا يعجبك !! إننا مع الحرية بكل أبعادها !إننا مسلمون متحررون.
وهكذا اختفت الأشجار، وتراكضت الأوراق، ولم يبق في هذه الحديقة إلا كثبان رملية ابتلعت كل قيم الصبر التي أوصى بها الحق سبحانه وتعالى <<وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر >>.
ولم يبق في هذا التيه الصحراوي إلا سراب يبحث عن قطرة ماء <<والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه الله حسابه والله سريع الحساب>> النور 39.

أيها الخريف إنك جميل حقا، سخي، كريم، جواد. ولكن لولا ربيع أ نبت البراعم، ولولا صيف أينع الثمر وآذن بالحصاد ، ولولا شتاء أمدنا بالغيث، ما جئتنا ضيفا تحمل الخير والعطاء.

رغم رياحك الهازئة ، واوراقك التائهة ، فان جذوة الحق لا تنطفيء وثورة البزوغ والنماء لن تتخامد ووعد الشيخ المفسر قد اتى مصدقا لقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفتح ـ 29 . ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون قضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ به الكفار . وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما) .

مع كل سقوط هنالك نماء، ومع كل إنحدار هنالك صعود. ومع كل خيبة هناك أمل،ولكن اليأس لن يعرف طريقه إلى نفوسنا المؤمنة الصابرة. فإن تباعد زرع الحديقة وتوارى في الزوايا والأركان، وإن جاد القليل منه بالثمر ،فإننا لن نيأس ألم يخص الله عز وجل بالذكر القليل في عبادة فوصفهم <<وقليل من عبادي الشكور>>سبأ13.

طوبى لكل القلة العاملين بصمت،الصابرين ببأس، الواثقين بنصر الله وفضله .

شاهد أيضاً

تورنتو: المدينة الكندية التي يتحدث سكانها 140 لغة

لا تزال مدينة تورنتو، أكبر مدينة في كندا، تحقق نموا سكانيا متزايدا، بوتيرة تصل إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!