الباخرة تغرق وركّابها ينزفون ألماً وملاحوها في سباتٍ عميق

الباخرة تغرق، ركّابها ينزفون ألماً،
وملّاحوها في سباتٍ عميق.

بقلم فارس بدر

إلى متى سيبقى المشهد السياسي في لبنان على هذا المستوى من الاهتراء والتعفن؟

إلى متى ستبقى هذه الأعجوبة المسماة بـ “الصيغة اللبنانية الفريدة” عنواناً للحياة السياسية؟

إلى متى سيبقى هذا الانقسام العامودي من قمة الهرم الطائفي إلى قاعدته أحد المكوّنات الأساسية لخريطة الطريق السياسية في هذا البلد؟ وممسكاً برقاب العباد حتى النفس الأخير.

إلى متى سيبقى التكاذب والتحاصص والانتهازية والاستخفاف وتعدّد الولاءات قيماً ملازمة لاستمرارية هذا التعايش الأكذوبة/الأعجوبة؟

والى متى ستبقى هذه الطبقة السياسية الحاكمة قابضة على رقاب البلاد والعباد دون رقيب أو حسيب؟

لقد ضاق اللبنانيون ذرعاً، مقيميهم ومغتربيهم، بهذا المشهد الذي يتكرر منذ عام 1943. ولقد دفعوا ثمن هذه الصيغة المشوّهة منذ ولادتها أثماناً باهظة من أرزاقهم وأعناقهم وأملاكهم وشبابهم حيث تعاقبت عليهم الحروب والنكبات وتناهشتهم المصالح الإقليمية والدولية حتى غدت جوازات السفر للهجرة حلماً يراود كل لبناني منذ يفاعته.
وهذا هو لبنان اليوم ينزف خيرة بنيه خارج الجسد اللبناني، كمّ هائل من المنتجين والمبدعين غلالاً وصناعة وفكراً غادر إلى غير رجعة وكمّ هائل آخر يطرق أبواب السفارات لمغادرة وطن خذلته الطبقة السياسية ودفعته ليمتشق كرامته في 17 تشرين الأوّل من العام الماضي صارخاً:
كفى مهزلة
كفى محاصصة
كفى اقتساماً للمغانم
كفى تحريضاً طائفياً
كفى تقسيماً مذهبياً
كفى حروباً أهلية
كفى تشويهاً لصرخات الجوع والفقر
كفى استغلالاً لعرق المنتجين والكادحين
كفى تدميراً للزراعة والأرياف
كفى بؤساً للعاملين والمنتجين
كفى استخفافاً بالمصير الوطني والقومي
كفى تكاذباً ورشوة وسرقة للمال العام
كفى احتكاراً للسلع الأساسية والاستهلاكية
كفى انتقاصاً لكرامة الإنسان ولكفاءاته وقدراته
كفى ذراً للرماد في العيون عبر بيانات الحرص على هذا “النموذج الفريد”
كفى إطلالاً لرموز التقسيم والكانتونات على شاشات التلفزة وأخواتها من وسائل الإعلام لتبنّي مطالب الشارع وتجييرها في خدمة المشاريع الطائفية والمذهبية.
كفى تعميماً لمفهوم “الشطارة اللبنانية” كونها صنعة وطنية ترفع جبين حاملها
هذا المفهوم للشطارة الذي ينتهك القوانين والأنظمة والذي يتجاوز المعايير والقيم التي بنتها المجتمعات الحديثة لإرساء النظام العام وتحديد قواعد السلوك الفردي والاجتماعي.

فإلى متى سيبقى “اللبناني الشاطر” شاطراً في كبائر الأمور كما في صغائرها؟

شاطراً في الاحتيال على الحق العام؟

شاطراً في النصب والتزوير والمداورة؟

شاطراً في جعل الوظيفة أو المنصب العام مغارة لتحقيق الأرباح والمكاسب ومراكمة الثروات غير المشروعة..

شاطراً في إغلاق نوافذ طائفته أمام رياح التغيير العلماني والوطني والقومي

شاطراً في تحويل طائفته إلى ممر إلزامي للترقي الوظيفي والاجتماعي والسياسي والمالي

شاطراً في استقطاب أبناء الطوائف بعيداً عن الولاء الوطني والقومي

شاطراً في تبديل تحالفاته كتبديل سرواله وقميصه، وقابضاً على جمهوره الطائفي الذي يصفق احتفاء بشطارته!

إنها “الشطارة” بالمفهوم اللبناني حيث النظام العام مهزلة والقوانين صورية وشكلية، وحقوق الآخرين مستباحة والحق العام مهدوراً.
مجتمع بهذه الصفات أقرب إلى القبلية منه إلى المجتمع المدني ولعله آن الأوان أن يقف الجميع وقفة وطنية مسؤولة قبل أن تغرق السفينة بركّابها.

إن المشهد اللبناني اليوم يحمل على أكتافه تراكمات مزمنة أعاقت ولا تزال قدرته على النهوض من كنف الزمنين العثماني والإنتدابي الفرنسي وتحدّيات المشروع الصهيوني الذي لا يريد للبنان أن ينهض من كبوته.

ولعلً أهم هذه المعوّقات:

أولاً: تفاقم الاستقطاب الطائفي والمذهبي، باعتبار ذلك عامل تأييد للانشطار العامودي على حساب التواصل والتداخل الأفقي ذي الأبعاد الوطنية.

ثانياً: تفاقم الاستقطاب للخارج، الأمر الذي يحوّل الوطن إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية في غياب حالة وطنية محصّنة للأمن القومي ومتماسكة في وجه المتغيرات الطارئة والمتحركة دائماً.

ثالثاً: انحسار الحيّز العام بما هو مساحة مشتركة لكافة المواطنين على تنوّع مشاربهم وانتماءاتهم وولاءاتهم حيث يتمتع الجميع بنفس الحقوق والواجبات.

رابعاً: تهميش الدستور والقوانين حيث أن فقدان الثقة بها كمرجعية للتحكيم يفسح المجال واسعاً أمام التجاوزات ويعطل القدرة على تكوين “الصمغ” اللازم والضروري لتشكل الوحدة الوطنية.

خامساً: غياب الرؤية القومية الموحدة كهوية ودور ووظيفة وكمشروع للنهوض من حالة التفكك والتشرذم والعجز عن مواجهات الاستحقاقات الوطنية والقومية.

سادساً: الرضوخ لمفاعيل إتفاقية سايكس/بيكو وإدارة الظهر والإستقالة من مسؤولية وتبعات المواجهة لمشروع مع المحيط القومي يعزٍز المناعة الوطنية والإجتماعية والإقتصادية من جهة ، ويحصّ المناعة القومية من جهة أخرى.

إن الخيارات مفتوحة أمام لبنان وأهله، فإما مجتمعاً أهلياً تتربع على عرشه الطوائف وعلى صدرها تجثم قيادات غليظة بحجمها، محدودة بمصالحها، منغلقة برؤيتها، تقدّم الصراع الطائفي على الصراع السياسي والطبقي والوطني وتجعل لبنان بحاضره ومستقبله أسيراً للمفاهيم القبلية والطموحات القبلية والقوالب القبلية، أو مجتمعاً مدنياً علمانياً متعدد الأحزاب تتحكم فيه قواعد النظام الديمقراطي بعيداً عن هواجس الطوائف وحروبها وأحلامها وحيث الجميع سواسية أمام القوانين والأنظمة .

لقد آن الأوان كي يقف اللبنانيون أمام الوقائع التي أفرزتها المرحلة السابقة بحروبها وآلامها وفواجعها وعثراتها.
لقد آن الأوان كي يقطع اللبنانيون حبل الصّرة مع زعمائهم ومرجعياتهم القبليّة و الروحية والسياسية ويمتنعون عن الرضاعة من ثدي الطوائف.

لقد آن الأوان أن يدرك اللبنانيون أن خياراتهم في الولاءات الطائفية أقفل الباب أمام الوعي المدني والوطني لأطفالهم وأحفادهم حتى كادوا يحزمون أمتعتهم جيلاً بعد جيل بحثاً عن لقمة العيش.

لقد حمل تشرين بريقاً من أمل …. فهل تنعقد الخناصر بعد انحسار الوباء كي يكتب اللبنانيون صفحة جديدة في تاريخهم؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق