WordPress Hosting

التداعيات المتوقعة لمخطط الضم في الضفة الغربية من منظور اسرائيلي

سمير جبور

مستشار تحرير صحيفة الوطن – كندا

يواصل محللون وخبراء استراتيجيون ومسؤولون اسرائيليون سابقون وحاليون التحذير من مغبة تنفيذ مخططات حكومة نتنياهو الخاصة بضم وادي الأردن وأجزاء من الضفة الغربية، وعرضوا التداعيات المتوقعة لهذه المخططات على مختلف الأصعدة الإقتصادي، القانوني، الإستراتيجي، السياسي، المحلي والدولي. وقد تناولنا في مقال سابق ما افتى به بعض الخبراء الأسرائيليين بان مشروع الضم سيشكل “تهديدا لآمن اسرائيل القومي”. وتحدث آخرون عن تأثير هذا المشروع على علاقات اسرائيل الدولية والإقليمية. وسوف أعرض في هذا المقال مساهمات مهمة أخرى استكمالا للموضوع وتسليط المزيد من الأضواء على عواقب الضم كما يراها بعض الخبراء الإسرائيليين أنفسهم.

وللتذكير، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حفل تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة، أن حكومته ستسعى إلى ضم المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن الضم سيصل إلى أكثر من 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية وأعلن الفلسطينيون، وكثير من دول العالم، خلال الأسابيع الأخيرة، رفضهم لضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية. ونعرض فيما يلي مساهمات مهمة في هذا الشأن:

لا يوجد اي مبرر امني للضم

تحت عنوان “الضم الأحادي الجانب سيؤدي إلى عدم استقرار محلي وإقليمي وسندفع جميعنا ثمن ذلك ” تطرق متان فلنائي – لواء احتياط ووزير ودبلوماسي سابق ورئيس حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل” الى المزيد من تداعيات الضم مؤكدا أنه “سيمس جيب كل مواطن فضلاً عن مس العلاقات مع الدول المجاورة، وعلاقة الأسرة الدولية بإسرائيل، وفي نهاية المطاف من شأنه المس أيضاً بطابع إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية”. وقد يتسبب ايضا “بإشعال الشارع الفلسطيني. وستضطر إسرائيل إلى الحلول محل السلطة فيما يتعلق بالمسؤولية الأمنية والاقتصادية عن حياة ملايين الفلسطينيين”. وهذا ينطبق على قطاع غزة؟ وقال انه “لا يوجد أي مبرر أمني لهذا الضم، ولذا لا يجب أن نتحمّل كل المخاطر التي ذكرناها. كما أنه سيؤدي في نهاية الأمر إلى قيام دولة ثنائية القومية ووضع حد للحلم الصهيوني”..

تحد مركزي لأمن اسرائيل القومي

جاء في وثيقة صادرة عن معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتسليا، أن “عملية الضم – تشكل  تحدّيا مركزيا للأمن القومي لإسرائيل”. تركز هذه الوثيقة على “التداعيات الاستراتيجية البعيدة المدى على أمن إسرائيل واقتصادها وهويتها المستقبلية وعلى عدد من نواحي الأمن القومي”. وعرضت الوثيقة ابرز التداعيات الإستراتيجية لمخطط الضم وتأثيرها على وضع اسرائيل الأمني والسياسي والإستراتيجي وهي:

1: زعزعة استقرار الحدود الشرقية لإسرائيل: إن قرار الضم من شأنه ان يقوض استقرار الحدود الشرقية التي تشهد هدوءا منذ وقت طويل” بخلاف الماضي، عندما كنا في مواجهة جبهة شرقية معادية عشرات السنوات. يعتمد الاستقرار فيها على ثلاث ركائز: قدرة الجيش الإسرائيلي والاستخبارات، استقرار المملكة الهاشمية، والتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية”. إن تنفيذ خطة الضم يمكن أن يؤدي إلى هزة عميقة لعلاقاتنا الاستراتيجية مع الأردن” الذي سيعتبر الضم بمثابة قيام الوطن الفلسطيني البديل مما سيؤدي الى “هيجان فلسطين” ويهدد الإستقرار الداخلي كما انه انتهاك لإتفاق السلام بين الجانبين”. إذ “لا يوجد بديل من الأردن كمكوّن حاسم في أمن اسرائيل والتعاون الأمني مع الأردن يحفظ الهدوء والأمن على طول أكبر حدود لإسرائيل، ويوفر لها عمقاً استراتيجياً  يشمل إيران أيضاً”.

2: تفكك السلطة الفلسطينية: في حال انعدام أفق سياسي، ستجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام حائط مسدود. الضم سيغلق الباب أمام حل الدولتين – فكرة من دونها لا حق للسلطة في الوجود. عملياً، السلطة سترفض أن تتحول إلى أداة لسيطرة إسرائيل على السكان الفلسطينيين. كما، سيتقلص أساس شرعيتها … والضائقة الاقتصادية وعدم اليقين المزمن المتفاقمان بصورة دراماتيكية في فترة الكورونا، سيزدادان. نجاعة التعاون الأمني مع إسرائيل ستتدهور وستضعف، وما الذي سيحل محله؟ الجيش الإسرائيلي! الذي سيضطر إلى توظيف قوات كبيرة في مواجهة الاضطرابات وأعمال الشغب، ومن أجل دعم المنظومة الفلسطينية. إذا اختفت السلطة الفلسطينية، سيكون عبء الاحتلال العسكري المباشر كبيراً بالمقاييس العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، ستتعزز قوة “حماس” ومكانتها وإيران وأشباهها، والذين رفضوا طوال سنوات العملية السياسية، وادّعوا أن الخيار الوحيد ضد إسرائيل هو سبيل “العنف والإرهاب”. والمقصود تهديد استراتيجي خطير ومتعدد الأبعاد بالنسبة إلى إسرائيل. لأن تحميل المسؤولية للجيش الإسرائيلي ستأتي حتماً على حساب قدرات المواجهة مع التهديدات الاستراتيجية من جهة إيران وحلفائها. وسيكون لذلك تأثير سيء على جهوزية الجيش الإسرائيلي للحرب. ومن المتوقع أيضاً أن يلحق ضررا كبيرا بالمساعدة الدولية التي ستتضاءل وقد تتوقف.

يجب التشديد على أنه حتى الوقت الراهن، وعلى خلفية الضرر اللاحق في المجال الاقتصادي في الضفة الغربية في ظل أزمة الكورونا، يبرز في الساحة الفلسطينية مكوّن شكّل حتى الآن كابحاً مركزياً لتطور موجة عنف واسعة النطاق في المنطقة. الدفع قدماً بعملية ضم، حتى لو كانت رمزية وجزئية، يمكن أن تشكل “الشرارة” التي ستجرف الجمهور الفلسطيني بحجم أكبر من الماضي إلى صراع عنيف، وستوحد بين السلطة والمجتمع، وهذا غير موجود حالياً. تداعيات لا تقل خطورة متوقعة أيضاً من الناحية النظرية والفكرية من الصعب توصيف تجلياتها العملانية الملموسة. من المتوقع أن يؤدي تفكك السلطة وتوسيع السيطرة الإسرائيلية إلى تعاظم فكرة الدولة الواحدة التي تجد اليوم انتشاراً متزايداً في الساحة الفلسطينية. أغلبية الجمهور الفلسطيني الذي يرغب في عدم المس بنوعية حياته، تفضل المطالبة بالمساواة في الحقوق المدنية – من بين أمور أُخرى، بسبب توقّع نضج مسارات ديموغرافية في العقود القادمة تقلص من الأكثرية اليهودية بين النهر والبحر.

3: خطة الضم واستقرار السلام الإقليمي: تقوم خطة الضم على اساس التقدير القائل إنه من الممكن توسيع السلام أيضاً في ظروف الضم. هذا وهم لأن زعماء الدول العربية وعلى رأسهم مصر لن يتخلوا عن الفلسطينيين. قبل كل شيء، لاعتبارات تتعلق بتهديد الاستقرار الداخلي لديهم، وخصوصاً الآن على خلفية أزمة الكورونا وضعف مكانة الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من التقاء المصالح بينهم وبين إسرائيل. في ظل هذه الشروط، من المتوقع العودة إلى منبر الجامعة العربية التي ستقف ضد توسيع السلام مع إسرائيل.

ثمة خطرآخر يتجلّى بتقويض “اتفاقات السلام بين إسرائيل ومصر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تعرقل هذه الخطوة توثيق العلاقات مع دول الخليج، في ظل أزمة اقتصادية متصاعدة جراء الكورونا (وخصوصاً في أعقاب الهبوط الحاد في أسعار النفط)، وستُظهر هذه الدول حساسية أكبر من الماضي من حدوث تمرد داخلي، وستتخوف من القيام بخطوات يمكن أن تؤدي إلى انعدام الهدوء الداخلي، وعلى رأسها تطوير العلاقات مع إسرائيل”.

4: وضع اسرائيل الدولي: إن موقف إسرائيل وصورتها كالدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، يمكن أن يتضررا في الاتحاد الأوروبي، وفي الدول الأوروبية المؤثرة. في المدى الأبعد، من المتوقع ان تجد مطالبة الجمهور الفلسطيني بالمساواة في الحقوق المدنية، أصداء كبيرة حتى في الولايات المتحدة، القائم حمضها النووي DNA على مبدأ “إنسان واحد صوت واحد”. في مثل هذه الظروف، وبالتأكيد سيناريو تغير الحكم في الولايات المتحدة، من المتوقع أن يعمق الضرر اللاحق بمكانة إسرائيل كموضوع إجماع لدى الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة. في الساحة الدولية، من المتوقع تصاعُد نشاطات حركة الـBDS، وأن يزداد أكثر التوجه نحو محكمة العدل الدولية لمناقشة نشاطات إسرائيل في المناطق. بصورة يمكن أن تعرّض جنود الجيش الإسرائيلي ومدنيين لأوامر بالاعتقال، ولملاحقات قضائية في الخارج. في جميع الأحوال، لا مجال للاعتماد على الافتراض القائل إن أزمة الكورونا أدت إلى تركيز المجتمع الدولي، على مشكلات داخلية، وخصوصاً في الغرب، وأنه لا وقت لديه لمعالجة خطوات تدفع إسرائيل بها قدماً إزاء الساحة الفلسطينية. أغلبية الدول في الغرب هي الآن في مسار للخروج من أزمة الكورونا، والذي سيترافق تدريجياً مع زيادة التدخل في المجال الإسرائيلي – الفلسطيني، خوفاً من تداعيات خطوات أحادية الجانب على الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

5: الساحة الداخلية في إسرائيل: عملية ضم جزئي أو كامل، لا سمح الله، سيكون لها انعكاسات خطيرة على الساحة السياسية العامة في إسرائيل، وهي الآن في وضع حساس على خلفية التوتر السياسي المستمر وتداعيات أزمة الكورونا “.هذه الخطوة سيكون لها أيضاً انعكاس على المجتمع العربي في إسرائيل الذي يعاني خيبة توقعاته حيال قيام حكومة وحدة تمنع الأمل الذي برز بشأن تأثير واندماج أكبر من الماضي للجمهور العربي في عملية اتخاذ القرارات السياسية في البلد. على هذه الخلفية المضافة إلى التوتر الاجتماعي والاقتصادي المتزايد في ظل أزمة الكورونا، يمكن أن تتطور ردود حادة من جانب الجمهور العربي، بما في ذلك انفجار العنف”.

وختمت الوثيقة الصادرة عن معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتسليا تحليلاتها بتقديم التوصيات التالية:

  • يتعين على إسرائيل أن تقر بأن الضم من طرف واحد هو تهديد استراتيجي لمستقبلها وأمنها وطابعها كدولة يهودية وديمقراطية في الشرق الأوسط. وبالتالي على إسرائيل أن تتبنى سياسة محدثة تمتنع فيها من تطبيق خطة الضم. فكم بالأحرى في ذروة أزمة الكورونا غير المسبوقة التي تهدد اقتصادها وأمنها ومناعتها القومية. يتعين على إسرائيل أن تبلور فوراً خطة مساعدة شاملة أمنية واقتصادية وسياسية (من خلال مساعدة خارجية)، من أجل تعزيز الحدود الأمنية الشرقية لإسرائيل. ومن المهم أن نوضح لملك الأردن أن خطة الوطن البديل، ليست مطروحة.
  • من المهم أن تقوي إسرائيل السلطة الفلسطينية كجزء من جهودها الناجحة للقضاء على الإرهاب ومنع صعود قوة متطرفة”.

يستخلص من هذه التحليلات والتداعيات أنها ربما  تستحق الدراسة المعمقة للتمييز بين ما هو واقعي وبين ما هو منفصل عن واقع الظروف الحالية. والمؤسسات الفلسطينية مطالبة بإيلاء الإهتمام الواجب من اجل التخطيط السليم للخطوات القادمة في حال قررت حكومة نتنياهوتنفيذ خطة الضم.

  • وثمة مراهنة على ان بعض تداعيات خطة الضم غير قابلة للتحقيق. على سبيل المثال يعتقد الوف بن رئيس تحريرصحيفة هآرتس ان الرئيس محمود عباس “يخطىء عندما يتوهم أن الضم سيضر بإسرائيل، وأن الأردن سيلغي اتفاق السلام، والعالم العربي سيتوحد مجدداً من أجل الفلسطينيين، وأن جو بايدن سيلغي وعود ترامب، وغانتس سيحل محل نتنياهو. ربما هو متعب، ومع ذلك لديه 26 يوماً كي يغير رأيه ويوقف قطار الضم”..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق