WordPress Hosting

العالم بين الأوباماوية والترامبوية

د. محمد شكر

اللفظان الواردان فى عنوان هذا المقال مقتبسان من مقالين تم نشرهما حديثا. لفظ الأوباماويون ورد فى مقال للكاتب السعودى عبد الله بن بجاد العنتيبى منشور فى جريدة الشرق الأوسط بتاريخ ٧ يونيو ٢٠٢٠ ينتقد فيه أوباما وأتباعه، ولفظ الترامبيون ورد فى مقال للكاتب والروائى المصرى علاء الأسوانى منشور فى الجريدة الإلكترونية الألمانية DW بتاريخ ۹ يونيو ٢٠٢٠ ينتقد فيه ترامب وأتباعه.

بداية يجب التنبيه إلى أن كلا الرجلين – أوباما وترامب – كان رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، أكبر وأقوى قلعة رأسمالية فى العالم. فلا شك إذن فى إيمانهما بالرأسمالية على ما بينهما من فجوة عريضة وعميقة فى مفاهيم تطبيقها وسياقها المجتمعى كما سيلى توضيحه، ومن هنا نشأ مصطلح الأوباماوية فى مقابل الترامْبَوية.

من المعروف أن معظم الناس يأخذون معانى المفردات على إجمال ظاهرها – يعنى لا يدققون فى الفروق بين دلالات الألفاظ. وبهذا أصبحت الرأسمالية مثلا مرادفة للديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأصبحت الإشتراكية تعنى الديكتاتورية والفقر وإنتهاكات حقوق الإنسان. وقد ساعد التوظيف السياسى لهذه المفردات على إلتباس معانيها. سنبدأ المقال بتحليل مختصر يوضح فك الإشتباكات بين هذه المرادفات. وستكون الأمثلة التوضيحية من عُقر دار الرأسمالية (أميركا). ثم ينتقل التحليل الى ما يمثله أوباما والأوباماوية وما يمثله ترامب والترامبوية لنرى كيف تنقسم أميركا – بل والعالم – اليوم بين المعسكرين. وفى النهاية سنتناول العالم العربى لنبحث إلى أى المعسكرين ينتمى العرب أو بالأدق حكام العرب.

من المعروف أن الرأسمالية والديموقراطية يتجاوران فى المجتمعات “الحرة”. لكن هذا الجوار يصب فى مصلحة الرأسمالية لا الديموقراطية. لماذا؟ لأن الرأسمالية تبنى مجدها وعظمتها على أن الديموقراطية فى تلك المجتمعات هى إنجاز الرأسمالية. وهذا غير صحيح بحسب التحليل الآتى. كما أن الرأسمالية فى البلاد المحكومة بشريعة الملوك ترى فى الديموقراطية محورا للشر. فهنا تتضح مدى هشاشة الربط بين الرأسمالية والديموقراطية.

قليلا من يعرفون أن عتاولة الرأسماليين والمنشآت الصناعية والمالية الجبارة يعملون بهمة لتطويق الديموقراطية أو على الأقل تحجيمها. لن ندخل فى تاريخ مُدوّن ينضح بمحاولات الرأسمالية الصناعية لقمع العمال حين يثورون ضد ملوك المال للمطالية بحقوقهم، التاريخ يروى لنا وقائع أليمة تكررت خلال القرن الماضى فى أميركا – قلعة الرأسمالية والثراء – .

عندما تحالفت الحكومات مع الرأسمالية لتحرم العمال من حقوقهم السياسية والإجتماعية. فعلى سبيل المثال تصدت عصابات مسلحة كان يملكها أرباب الصناعة مثل هنرى فورد للإعتداء على زعماء العمال وجلدهم بالسياط وطلى أجسامهم بالقطران فى مدينة دالاس عام ١٩٤١ كما روى الباحث الأميركى ألبرت كان فى كتابه “مصرع الديموقراطية فى العالم الجديد”. وفى عام ١٩٤٧أقر الكونجرس الأميركى قانونا بتحريم الإضراب على العمال والموظفين وحظر إنفاق أموال الإتحادات العمالية على أى نشاط سياسى. فهل يُعقل أن يحدث هذا فى قلعة الديموقراطية؟ لقد حدث، وحدث ما هو أكثر منه هولا، وسجلات التاريخ مفتوحة لمن أراد أن يَذّكّر. دار الزمان وتغيرت الدنيا لكن لا يجب أن نُهمل التاريخ لأن التاريخ يخلع ميراثه على الحاضر. يجب إستحضار التاريخ لنفهم الحاضر الترمبوى كما سنرى.

لم تعد الرأسمالية تستخدم الأساليب الفجة فى إستعباد العمال وإنتهاك حقوقهم، فقد أعطت الرأسمالية الغربية المعاصرة – وهى راضية أو مُكرَهة – تنازلات كثيرة للطبقة العاملة فى هذا الزمن، ومنها حق الإضراب لتحسين الأجور وظروف العمل. وهناك من ينسبون منح هذا الحق إلى حسنات النظام الرأسمالى، لكن يجب التنبيه على أن هذا الحق يجب أن يُنسب للديموقراطية – لا للرأسمالية – كحسنة، فهو حق سنّته الديموقراطية لتقاوم به – سلميا – أطماع الرأسمالية. ثم إن الرأسمالية المعاصرة بعد أن تأكدت أن مستقبلها مرهون بالإلتفاف حول الديموقراطية  قررت الولوج إليها من باب الإنتخابات الحرة، وهو الباب الرئيسى للديموقراطية. فأصبح نجاح المرشح السياسى مرهونا بما يجمعه من المال، وبالتالى يصبح مرهونا أيضا بنفوذ ملوك المال.

الرأسمالية والديموقراطية كيانان مستقلان بالرغم من تجاورهما أحيانا على ما بينهما من تجاذب وتنافر. الفصل بين الكيانين ضرورى لفهم ما يحدث فى المجتمعات الرأسمالية الديموقراطية الغربية. فمثلا هناك مظاهر لإنتهاكات حقوق الإنسان فى تلك المجتمعات، وهناك من يستلذ بإبراز تلك الإنتهاكات ممن يروجون للنظم الديكتاتورية فى بلادهم للحط من قيمة الديموقراطية. فمن الملوم عن هذه الإنتهاكات: الرأسمالية أم الديموقراطية؟

الذى لا يجب أن يغيب عن بالنا أن مثل هذه الإنتهاكات لاتسئ للديموقراطية كما يدّعى أعداؤها فى بلاد العرب وغيرها، وإنما على العكس فهى تدين الرأسمالية مباشرة، تلك التى تعادى الديموقراطية وحقوق الناس. فماذا عن إستعداد الإدارة الأميركية الحالية مثلا للتضحية بحقوق الناس فى الصحة بل وفى الحياة نفسها فى زمن تفشى وباء الكورونا من أجل التعجيل بعودة البيزنيز وإستمرار حصاد الثروات؟ هل هذه إدانة للديموقراطية التى أتت بترامب أم إدانة للرأسمالية الجشعة التى يمثلها ترامب؟

الرأسمالية هى نظام إقتصادى يرتكز على حرية الملكية الخاصة وحرية إختيار المستهلك للمُنتَج والمنافسة بين شركات الإنتاج والتوزيع والخدمات وكذلك آلية السوق التى تحدد الأسعار من خلال العلاقة التفاعلية بين البائع والمشترى. تصنيف أنواع الرأسمالية هو موضوع خارج عن نطاق معرفة كاتب هذا المقال لكن المعلومات متاحة للقارئ المهتم، فهناك رأسمالية السوق الحرة، وهناك رأسمالية الدولة حيث تقرر الحكومة أى القطاعات التى تتوجه إليها أولويات الإستثمار، وهناك رأسمالية الشركات الصغيرة التى تبتكر الجديد فى التكنولوجيا ورأسمالية الشركات العملاقة التى تتولى الإنتاج بالجملة وتسويق المنتجات، وهكذا. فالرأسمالية بهذا ليست شرا إلا إذا إستهونت بحقوق الناس أو تعمدت إنتهاك الديموقراطية بغرض مضاعفة الأرباح.

وإذا إنتقلنا الآن للمقصود بعنوان المقال: بين الأوباماوية والترامبوية، فيمكن أن نطرح التعارض بينهما فى السؤال التالى. أيهما أسبق فى الفكر والتطبيق لدى المنهجين: الديموقراطية أم الرأسمالية؟ أود أن أقترح أن السبق للديموقراطية يكمن فى منهج الأوباماوية، وأن السبق للرأسمالية (إنتهاك الديموقراطية) يكمن فى منهج الترمبوية. وهذا يستلزم بعض التوضيح.

أولا تجدر الإشارة إلى أن المقارنة هنا ليست بين منهج الحزب الديموقراطى ومنهج الحزب الجمهورى. المقارنة بين الأوباماوية والترمبوية. فكل حزب يضم العديد من التيارات وتاريخ الديموقراطيين نفسه إنطوى على تحول حاد لصالح الليبرالية فى عهد الرئيس فرانكلين روزفلت (١٩٣٣- ١٩٤٥) بعد أن إرتبط إسم الحزب بمعارضة إلغاء نظام الرق قبيل الحرب الأهلية الأميركية.

وبالتالى فمن الوارد أن يكون هناك عضوا أوباماويا فى الحزب الجمهورى كما رأينا فى المرشح الجمهورى الراحل جون ماكين الذى خسر أمام أوباما عام ۲۰۰۸. غادر ماكين فراش المرض وهو مصاب بالسرطان فى أحد أيام ۲۰۱۷وذهب إلى الكونجرس للتصويت ضد مشروع ترامب لإلغاء نظام التأمين الصحى الذى وضعه أوباما. وسقط مشروع ترامب بالفعل. بهذا المعنى يكون ماكين الجمهورى أوباماويا. وبالمثل كان إبراهام لينكولن الجمهورى محرر العبيد أوباماويا أيضا.

لأن الأوباماوية تمارس الرأسمالية فى إطار إحترام حقوق الناس فهى حريصة على عدم التفرقة بينهم على أساس العِرق أو الدين أو الجنس أو الثروة. ولهذا نجد الخطاب الأوباماوى (حتى لو جاء على لسان جون كيندى أو بيل كلينتون أو نانسى بيلوسى) يدعو للمساواة بين الناس وتتكرر فيه الكثير من مفردات العدالة الإجتماعية وتقريب الفروق بين الطبقات وحق المهمشين فى التأمين الصحى وما إلى ذلك.

وفى المقابل نجد الترامبوية تلعب على وتر التفريق بين الناس. والأمثلة متكررة فى منهج وخطاب الرئيس ترامب هذه الأيام. فهو يصف مثلا المتظاهرين المحتجين على وحشية وعنصرية أداء رجال الشرطة الذين قتلوا المواطن الأميركى الأسود جورج فلويد بأنهم حشد من اليساريين الفاشيين الذين يستهدفون تحطيم أميركا ومحو تاريخها الذى خطه أباؤها الأوائل. هذ الخطاب لا يحترم حقوق الناس فى التعبير عن رأيهم، ناهيك عن إحترام حقوقهم فى المساواة وفى الحياة نفسها التى تم سحقها على يد رجال الشرطة العنصريين. الخطاب الترامبوى يشوه سمعة قطاع من الناس سماهم يساريين وفاشيين ليكسب تأييد القطاع المقابل المؤيد له. هذا خطاب إقصائى بإمتياز لاعلاقة له باليمين أو اليسار، أو بالرأسمالية أو الإشتراكية. هو فقط خطاب ترامبوى. هو وسيلة رخيصة لحشد المؤيدين. ومن إستن سُنّته فى أى مكان فى العالم سيصبح ترامبوىالهوى أيضا.

الأوباماوية تتعامل مع المنتقدين بالحوار المتعقل، والترامبوية تتعامل مع المنتقدين بالشتيمة. الأوباماوية تدفع بإتجاه التغيير لبناء مجتمع أفضل يتلاشى فيه التمييز والتهميش والإقصاء بين الناسوالترامبوية تعود بنا إلى صور من الرأسمالية الممقوتة التى مارسها عتاولة رجال الصناعة فى بدايات القرن الماضى، أمثال هنرى فورد الذى لم يكن يُخفى إحتقاره لمطالب العمال.

الأوباماوية تتحفظ فى تعاملها مع الديكتاتوريات وتؤيد ثورات التحرر منها كما ظهر فى تأييدها لثورة يناير ٢٠١١ فى مصر، والترامبوية تتعاطف مع غلاة المتشددين اليمينيين كما ظهر فى تأييد ترامب لمرشحة الرئاسة الفرنسية مارين لوبان والتى تمحور برنامجها الإنتخابى حول مناهضة المهاجرين لفرنسا. لكنها خسرت الإنتخابات وفاز الإتجاه الأوباماوى بزعامة إيمانويل ماكرون فى فرنسا.

والآن نتناول السؤال عن الإتجاهات الأوباماوية والترامبوية فى العالم العربى، أيهما أوسع إنتشارا؟ لكن فى غياب البيانات الإحصائية والمنهج العلمى فى تناول مثل هذه الظواهر بشكل عام فى بلاد العرب فلا يمكن رصد إحصاء كمّى عن هذه الإتجاهات. كل ما يمكن تقديمه هو تخمينات لا تُخفى إنحيازها لوجهة نظر الكاتب أو الخطيب. وسنورد هنا وجهتى نظر الكاتبان المشار إليهما فى إفتتاحية هذا المقال ونترك الحكم للقارئ، وننبه أن الحكم يجب أن ينصب على كلام الكاتب وليس على البلد التى ينتمى إليها.

يقول الكاتب السعودى الأستاذ عبد الله العتيبى فى إنتقاده للأوباماوية “الجماهير هي الجماهير سواء في جمهورية عربية أم في أميركا، هي تجمعات غبية ومتحفزة للعنف دائماً والمنخرط فيها – حتى وإن كان مميزاً في فكره – يضطر للانخراط في مواقف تدفعه الجموع لها قد لا يوافق عليها لو لم يكن في ذلك الظرف التحشيدي العاطفي الساخن”. ثم يردف قائلا “كانت العرب تسمي الجماهير أسماء متعددة منها العامة أو الغوغاء، وهي تسمياتٌ فيها موقفٌ سلبيٌّ من الجماهير لأسبابٍ موضوعية يمكن أن يرصدها أي مراقبٍ أو باحثٍ جادٍ قديماً وحديثاً، وأن فائدتهم تكمن في ملء الأسواق وإنقاذ الغريق وإطفاء الحريق، ولكن تجمعهم لهدف لا يعني سوى الفتنة وإثارة القلاقل، ومن تبصر في ذلك تاريخياً وجد أنَّ في هذا الكلام كثيراً من الصحة”.

أما الكاتب والروائى المصرى المعروف الأستاذ علاء الأسوانى فيقول فى إنتقاده للترامبوية “في وسط الادانة العالمية للرئيس ترامب إنفرد الإعلام العربي في مصر والخليج بحملة دعائية لترامب والإشادة بعظمته وحكمته. فالقائمون على هذه الحملة “ترامبيون” أكثر من ترامب نفسه وهم يستعملون نظرية المؤامرة المفضلة لدى المخابرات العربية فيتهمون ملايين المتظاهرين الأمريكيين بأنهم خونة وعملاء يكرهون جيشهم وشرطتهم وأنهم ممولون من أجل اسقاط الدولة الأميريكية إلى آخر هذه الخزعبلات البائسة التي طالما استعملها إعلام المخابرات لتشويه المناضلين من أجل العدل والحرية في البلاد العربية”.

فعلى أى مسار يجب تكون نهضة العرب؟ الأوباماوى أم الترامبَوى؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق