المناعة ضد التغيير

د. محمد شكر

فى رسالته لشباب الخريحين فى يونيو ۲۰۲۰ علّق الرئيس الأميركى السابق باراك أوباما على الإحتجاجات التى عمّت المدن الأميركية بعد حادث مقتل المواطن الأسود جورج فلويد على يد ضابط بوليس أبيض بقوله “ما نراه الآن هو نتيجة متوقعة للإضطهاد وعدم المساواة التى يعانى منها المجتمع الأميركى منذ عقود طويلة. ما نراه هو مؤشر واضح على إخفاقنا فى حل هذه المشاكل”. ثم يتوجه بحديثه للشباب فيقول “ليس من الضرورى أن تقبلوا الأوضاع فى المجتمع على ما هى عليه. بل إن الواجب يحتم عليكم أن تبنوا مجتمعا أفضل يتلاشى فيه التمييز والتهميش والإقصاء بين الناس”.

هذه رسالة موضوعها التغيير، تغيير القيم والأداء المجتمعى، وليس مجرد تغيير أسماء شوارع أو أشخاص فى مناصب. وهذا النوع من التغيير وارد فى حياة الأمة الأميركية بضمان الدستور والآليات المتاحة. الدستور الذى تم وضعه بعد حرب الإستقلال عن بريطانيا عام ١٧٨٣ نص على أن الأمة الجديدة تولد فى الحرية والناس فيها متساوون فى الحقوق والواجبات. وآليات التغيير هناك – وفى العالم الغربى عموما – تشمل حقوقا مُفعّلة لحرية التعبير والتظاهر والمشاركة الإنتخابية. فالتغيير وارد بل ومستمر فى هذه المجتمعات بهذه الضمانات وبالإرادة الشعبية.

إذا لم يستند التغيير إلى إرادة شعبية فسيكون مفروضا على الناس على غرار ما فاجأ به رئيس مصر الراحل محمد أنور السادات أعضاء البرلمان – الذى كان إسمه وقتها مجلس الأمة – بقوله “من النهارده إنتم بقى إسمكم مجلس الشعب”. هذا يوازى تغيير إسم على بنجر إلى حسن بنجر.

مطلب التغيير لإقرار المساواة ونبذ التفرقة العنصرية بعد حادث قتل المواطن الأميركى إنفجر فى شوارع أميركا وأوروبا وكندا وأستراليا – أو ما إتفق الناس على تسميته بالعالم الحر. وإنبثقت المبادرة بإرادة الشعب وليس بتوجيه السلطة.

وإذا إستمرت هذه الفعاليات بالتساوق مع تيار فكرى يفضح تعارض رأسمالية ترامب وأمثاله مع مبادئ المساواة التى تصدّرت دساتير أميركا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، فستكون ثورة، وستدخل التاريخ بإعتبارها لحظة فاصلة قضت على ما تبقى من هياكل التفرقة العنصرية فى المجتمع الأميركى والغرب عموما.

إن الإحتجاجات التى تتواصل منذ قرابة شهر حتى الآن لن تقتصر نتيجتها على حلول وقتية لإمتصاص الغضب مثل إدانة الضباط المتورطين فى حادث القتل أو تقليص ميزانية الشرطة أو زيادة دعم برامجها للتعاون مع الأقليات أو حتى سقوط ترامب فى الإنتخابات القادمة. الأمر أكبر من ذلك، لأن فعاليات الإحتجاج نفذت إلى أعماق غير مسبوقة لتمسّ رواسب العنصرية فى المجتمعات الغربية كلها.

خذ مثلا تصاعد مطلب الناس فى مدينة أدنبرة فى إسكتلندا بإزالة تمثال هنرى دنداس من موقعه فى وسط المدينة. ثم كيف حفّز هذا نشطاء فى مدينة تورونتو يطالبون بتغيير إسم شارع  دنداس، وهو أحد الشوارع الرئيسية. فلماذا المطالبة بمحو أى مظهر لتكريم هذا الشخص بعد أكثر من مائتى عام على وفاته؟ لأنه – وقد كان وزير الحرب فى إسكتلندا فى أخريات القرن الثامن عشر – عارض قانون إلغاء الرق وبسببه تأخر ظهور القانون لمدة خمس عشرة عاما طالت فيها معاناة أكثر من ستمائة وثلاثون ألف شخص من وطأة العبودية.

وبالتزامن وافقت جامعة ليفربول البريطانية على إعادة تسمية مبنى يحمل إسم رئيس الوزراء السابق ويليام جلادستون – والذى تم فى عهده إحتلال مصر – وذلك بسبب معارضته لقانون إلغاء الرق أيضا، حيث كانت عائلته تمتلك مزارع يعمل بها مئات العبيد فى منطقة البحر الكاريبى. ولا يزال المحتجون فى أميركا يحطمون تماثيل رموز الكونفدرالية، وهم من رفضوا تحرير العبيد وإشتعلت الحرب الأهلية بسبب هذا الرفض.

كل هذه الفعاليات تمثل إرادة تغيير لإزالة كل ما هو مرتبط بتاريخ العبودية فى المجتمع. وهذا ما أراه خطوة غير مسبوقة تهدف لإقتلاع العنصرية بإعادة تقييم الرموز التاريخية التى دفعت بها. لم يحدث مثل هذا حتى فى أشد فترات الإحتجاج ضد التفرقة العنصرية فى أميركا فى الستينيات أيام مالكوم إكس ومارتن لوثر كنج. لكن الحياة صراع، والتغيير هو ثمرة صراع قد يكون طويلا ومريرا. ففى مقابل المحتجين الذين يطالبون بالتغيير يقف الطرف الآخر فى معادلة الصراع، وهو الذى يرفض التغيير. فإن كان المؤيدون للتغيير يطالبون بتحطيم تمثال ونستون تشرشل الموجود فى قلب لندن على أساس انه – وهو البطل فى نظر جموع الشعب البريطانى – تبنّى آراء عنصرية ضد السود والهنود وسكان أميركا الأصليين، فإن الطرف الآخر (اليمينى المتشدد) يطالب بإزالة تمثالي مانديلا وغاندى من نفس الميدان.

هكذا تكتمل صورة الصراع من أجل التغيير. طرفان يتخاصمان فى الساحة التى هى شوارع المدن، أو قل هناك طرف فى الشارع يطالب بالتغيير والطرف الآخر يقبع فى البيت “الأبيض” مستخفا بالمطلب ومتهما مروجيه بأنهم حثالة من الفوضويين واللصوص. هل نرى التشابه إذا أسقطنا المشهد الحالى على ما حدث فى مصر فى يناير ۱۹۷۷؟ هل ننسى وصف “ترامب المصرى” وقتها للإنتفاضة العفوية التى عمّت ربوع مصر فى ساعات بأنها كانت “إنتفاضة الحرامية”؟ وكان له ما أراد وتم وأد مطلب التغيير فى مهده.

لماذا نجحت الثورات التاريخية فى إنجاز تغييرات ترددت أصداؤها حتى خارج أوطانها؟ لماذا نجحت الثورة الفرنسية فى ترسيخ مبدأ فصل السلطات فى الحكم لأول مرة كما نراه اليوم فى معظم دول العالم. لماذا نجحت الثورة الأميركية فى القضاء على نظام الرق فى أميركا وإرساء المساواة بين المواطنين أمام القانون، وهو ما ينعم به جموع المهاجرين إليها اليوم حتى لو وجهوا إنتقادات قاسية للمجتمع الأميركى؟ لماذا نجحت الثورة السلمية فى الهند فى إحداث تغيير ألهَم الكثير من حركات الحقوق المدنية في معظم أرجاء العالم؟

ثم لماذا لم نصادف ثورة فى العالم العربى أحدثت تغييرا على مسار الحريات أو المساواة أو حقوق الإنسان داخل أوطانها على الأقل؟ هل هى إرادة التغيير فى الشرق والغرب فى مقابل المناعة ضد التغيير عند العرب؟ دعنا نستقصى هذا الأمر فيما تبقى من هذا المقال.

من ينكر أن هناك تغييرا فى العالم العربى سيواجَه بإعتراضات شديدة. كيف يمكن إنكار التغيير والعالم شاهد على تقدم العمران والبنية التحتية فى عواصم العرب. ألا ترى الأبراج الهائلة فى الإمارات والمملكة السعودية؟ ألا ترى الجزر الصناعية فى دبى؟ ألم تسمع عن مباهج العاصمة الإدارية الجديدة فى مصر وتجديدات الحرم المكى والمسجد النبوى فى بلاد الحرمين؟ ألا ترى التطورات المتسارعة فى البنية التحتية، فى مجالات الطاقة والموارد المائية والنقل وإستصلاح الأراضى وغيرها؟

هنا أسارع بالقول بأن هذا ليس موضوع التغيير المعنى بهذا المقال. موضوعنا هو التغيير على مستوى القيم الإنسانية – قيم المواطنة والمساواة بين الناس فى الحقوق (دعنا من قيمة الحرية الآن فلعل يكون لها حديث آخر)، وهى القيم الموجودة فى كل الدساتير العربية لكنها غائبة على أرض الواقع. هذا هو التغيير المقصود بعنوان المقال والذى يدّعى الكاتب بأننا – كعرب – لدينا مناعة من تحقيقه.

تكفى جولة سريعة فى مدينة القاهرة مثلا لنرى المساواة المفقودة والعدالة الإجتماعية المهدرة وحقوق الناس المهملة فى السكن والتعليم والخدمات الصحية بين مناطق الناس اللى فوق والناس اللى تحت. فى العالم العربى يتجاور أغنى أغنياء العالم وأفقر الفقراء ولا شئ يهم (بحسب عنوان رواية إحسان عبد القدوس).

فى مصر يمكن أن تطالب بإعادة تخطيط وتجميل (يعنى تغيير) ميدان التحرير ثم تطيل المديح لكل من كان وراء هذا الإنجاز (وقد كان إنجازا رائعا بالفعل من الناحية الجمالية). لكنك لا يمكن أن تطالب بإستعادة الجهد لإحياء القيم الإنسانية التى دفعت بها ثورة يناير والتى إنفجرت فى نفس الميدان: عيش / حرية / عدالة إجتماعية. هذه هى المعضلة.

لقد أصبح المصريون ومعهم العرب مبرمجين تحت تأثير القوى الترمباوية العربية لتكفير أى تغيير يقترب من مطلب المساواة بين الناس. وهذا هو المقصود بالمناعة ضد التغيير. فهل هى مناعة مكتسبة مؤخرا (بتطعيم من الأنظمة المستبدة) أم أنها تجرى مجرى الدم فى عروق الثقافة العربية؟

سؤال ليس من السهل الإجابة عليه، ويحتاج إلى متخصصين فى علوم الإجتماع لتقديم مفاتيح الإجابة. لكنى أعتقد أن هذه المناعة تستمد جذورها من تراثنا. وإلا فبماذا نفسر فشل جميع الثورات العربية فى تحقيق العدالة الإجتماعية وبالذات ثورة يوليو ۱۹٥٢ فى مصر؟ لقد إستهدفت هذه الثورة مبدأ العدالة الإجتماعية وحقوق المهمشين مباشرة وفورا، وذلك بقوانين الإصلاح الزراعى ومجانية التعليم وتمثيل العمال والفلاحين فى المجالس النيابية وغيرها، لكنها فشلت فى النهاية وكانت الرِدّة نحو عودة سيطرة رأس المال والتبعية للغرب سريعة جدا ولقيت ترحيبا شعبيا واسعا لأسباب كثيرة، لكنى أدّعى أن جرثومة المناعة ضد التغيير كان أحد أسبابها.

وبماذا نفسر أيضا “تبخر” كل التنظيمات التى أدرجت كلمة “التغيير” فى أسمائها قبل ثورة يناير؟ صحفيون من أجل التغيير، فنانون من أجل التغيير، حقوقيون من أجل التغيير، الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، الجمعية الوطنية للتغيير. واليوم أصبح موضوع التغيير (لإقرار المساواة بين المواطنين) فى طى النسيان والخوض فيه يجلب المخاطر.

عندما يكون موضوع التغيير هو المساواة وحقوق الإنسان نجد لا مبالاة عند الناس فى العالم العربى عموما – مع عدم إنكار الإستثناءات. هذا بعكس الناس فى الغرب الذين فتحوا نيران الثورة على التفرقة العنصرية كما نشهد هذه الأيام. أوباما الأميركى ينضم علنا لمطلب تفعيل المساواة وخلق مجتمع أفضل. فأين أوباما المصرى من هذا؟ لا هو موجود ولا أعتقد أن المستمعين له جاهزين.

البعض قد يقول أن هؤلاء المستمعين الغائبين أو المغيبين لا ذنب لهم، والذنب يقع على النظم الديكتاتورية التى غيبت عقولهم ودمرت نفوسهم. لكن فى المقابل قد يصح القول بأن المستبدين ما كانوا ليطغوا فى البلاد إلا إذا كانت جرثومة القابلية للإستبداد (المناعة ضد التغيير) قد تمكنت من النفوس. وهذا بالضبط ما عناه المفكر الجزائرى الراحل مالك بن نبى عندما تحدث عن ظاهرة الإستعمار فى العالم العربى وربطها بمفهوم إستحدثه سماه “القابلية للإستعمار”. هنا ندخل فى الدائرة المغلقة – البيضة الأول أم الدجاجة؟

لكن دعنا من مسألة البيض والدجاج، فلن نجنى من ورائها إلا الجدل. دعنا نفتح أعيننا على الحقيقة الساطعة المؤلمة. قيم المساواة وحقوق الإنسان لا تحتل أولوية لدى العرب عموما، بل على العكس تتوارى لصالح المنافع الشخصية. ولهذا تدهورت ثورة يناير – بكل مطالبها النبيلة – من ثورة إستهدفت إقرار المساواة والعدالة الإجتماعية إلى “ثورة إنتخابية” ثم إلى “ثورة مضادة” كما وصفها بحق د. عبد الفتاح ماضى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية فى كتابه “عثرات فى الميدان: كيف أخفقت ثورة يناير فى مصر”. تحول الثورة عن مسار المطالبة بالمساواة إلى المطالبة بكرسى الحكم هو دليل آخر على المناعة ضد التغيير.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق