X4iptv.com

المَنصات الاجتماعِية وثَقافة الفَضِيحة

المنصات الاجتماعية وثقافة الفضيحة

أحمد عناية

مسيساغا – كندا

مستشار في مجالات التقنية

في الماضي، كان العقاب أمام الناس وسيلة ردع للمجرمين وخاصة من يقومون بتصرفات تتعارض مع معتقدات المجتمع أو أعرافه. فضح المجرم أمام عامة المجتمع وفي شوارع البلدة غايته ردع الآخرين أيضا وجعلهم يتجنبون فعله حتى لا يصبحوا مكانه ذات يوم. هذا النوع من العقاب للمخطيء يعرف بال “Public Shaming”  أو “الفضح أمام الملأ أو عامة الناس” و هو ما زال مستمرا حتى الآن وتطور بشكل كبير مؤخرا مما قد يجعله ظاهرة تستحق الدراسة وبحث آثارها الإيجابية أو السلبية في المجتمع.

مع تطور المجتمعات وطرق التواصل. تطورت أساليب العقاب أيضا. وبينما مازالت وسائل الإعلام الرسمية وغيرها تنشر صور المجرمين بعد ثبوت التهمة عليهم وصدور أحكام قضائية ضدهم فإن وسائل التواصل الاجتماعي سمحت للعامة أيضا بتطبيق عقوبة “الفضح” أيضا لتحقيق العدالة حسب تصورهم دون أي قضاء أو محاكمة وخاصة في حالات قد لا يعاقب عليها القانون أو حين تكون الملاحقة القانونية صعبة أو شبه مستحيلة.

في الكثير من الأحيان، تستهدف حملات الفضح هذه المشاهير والسياسيين الذين يدلون بتصريحات عنصرية أو مناهضة لمجموعات مختلفة أو يقومون بأي تصرفات قد لا تعجب عامة الناس ويرون فيها إساءة. الهدف من هذه الحملات في العادة هو معاقبة هذا الشخص من خلال فضحه أمام الناس لتدمير سمعته الشخصية والمهنية فيما يعرف في الانجليزية بمصطلح   “Online Public Shaming” أو أحيانا “Social Media Public Shaming” و التي تعني “الفضح في الانترنت و الشبكات الاجتماعية”.

بعض هذه الحملات حققت نتائج مميزة، وربما كانت حركة “Me too” أو  “أنا أيضا” النسوية من أحد الأمثلة على الاستخدام الفعال لقوة الشبكات الاجتماعية في محاربة التصرفات السلبية التي قد تمر دون عقاب، كما أن هذا السلاح اثبت فعاليته في الحد من نفوذ الحركات العنصرية والمتعصبة وردع السياسيين و المشاهير المتعاطفين معها. لكن كما هو الحال في أي سلطة أو قوة فإن كونها بيد عامة الناس دون قوانين واضحة أو مرجعية أخلاقية ثابتة تحكمها قد يجعل منها سلاحا ذا حدين قد يضر أحيانا، وقد يكون ضرره على مستخدمه في الدرجة الأولى.

من أحد المشاكل الرئيسية في سلاح “الفضح في الشبكات الاجتماعية” وخاصة حين استخدامه ضد أناس عاديين، هو أنه قد يفضي الى عقوبات مبالغ فيها وقد يدمر حياة أناس وعوائل عادية بشكل لا يتناسب مع أخطائهم ودون إعطائهم فرصة للدفاع عن أنفسهم، ففي حالات كثيرة يندفع العامة الى فضح من يعتبرونه مخطئا ويقومون بملاحقته لتدمير حياته المهنية والعائلية دون أي معرفة شخصية به ودون فهم لملابسات الحادثة ودون اعتبار لما قد يسببه هذا التشهير من ضرر قد يفوق الذنب المقترف بكثير. في بعض الحالات, يتم فهم  كلام الشخص عكس ما يعنيه ويتم فضحه دون أن يستمع الناس الى أي رد أو ايضاح منه.

في حالات أخرى، قد تكون آثار الفضيحة عكسية وخاصة اذا كان التهجم مبالغ فيه أو إذا استطاع الطرف الآخر التواصل مع الإعلام أو استخدام نفس المنصات لاستعطاف العامة. في حالات كهذه قد تنقلب الفضيحة ضد من ينادي بها وقد تدمر حياته هو، وهناك حالات عديدة لأشخاص حاولوا استخدام سلاح الفضيحة ضد أناس عاديين فانتهى الأمر بأضرار كبيرة عليهم مهنيا وإجتماعيا بسبب تعاطف العامة مع الطرف الآخر وخاصة إذا كان ضعيفا أو امرأة أو كبيرا في السن.

في بعض الدول، يتم تطوير قوانين تحد من إمكانية تداول الناس للمنشورات التي تفضح شخصيات عامة أو خاصة وتضع عقوبات كبيرة على من يستخدم الشبكات الاجتماعية لفضح تصرفات الآخرين. كثيرا ما تكون هذه القوانين محل انتقاد من ناشطين ومنظمات حقوقية لأنها تحد من الحريات أحيانا وقد تتعارض مع نهج الانفتاح والديمقراطية.

في بعض المجتمعات الغربية، كثيرا ما يستفيد العنصريون والمتعصبون من هامش الحرية الكبير في الشبكات الاجتماعية وخارجها وذلك لنشر ثقافة الكراهية ضد المجموعات المختلفة ولذا يستخدم بعض  النشطاء والمدافعون عن الحقوق “سلاح الفضيحة على الانترنت و الشبكات الاجتماعية” للحد من ثقافة الكراهية ولحشد تأييد المجتمع ضد من يدافع عنها أو يناصرها من السياسيين والمشاهير وحتى عامة الناس, ولكن الإفراط في استخدام سلاح الفضيحة والمبالغة في التهجم قد يحد من حرية الناس في نقاش القضايا المجتمعية الحساسة خوفا من إثارة نشطاء الشبكات الاجتماعية وذلك لقدرة هؤلاء النشطاء على تدمير الحياة السياسية والاجتماعية لأي شخص يخالف رؤيتهم. بشكل أو بآخر.وقد تتحول هذه المجموعات من النشطاء الى لعب دور الحاكم المستبد الذي لا يتقبل أي خلاف معه ويسعى لمعاقبة من يخالفه بأقسى العقوبات، وعقوبات هذه المجموعات قد تكون مدمرة لحياة الفرد المستهدف يشكل قد يفوق بعض الأحكام المستبدة.

وهنا تثور جملة أسئلة فرضتها سطوة حضور شبكات التواصل الإجتماعي في زماننا، لعل أهم هذه الأسئلة حول ماهية ظاهرة الـ “Online Public Shaming”أو “الفضح على الانترنت” وهل هي ظاهرة إيجابية تعطي الجمهور حق محاكمة الشخصيات العامة و غيرها, وكيف يمكن وضع الضوابط القانونية التي تضمن الإنصاف والحماية من تقصد إغتيال الشخصية للمنخرطين في العمل العام خاصه ونحن نرى ان منصات التواصل الإجتماعي صارت ساحه لمعارك الكترونية بين دول وتنظيمات واحزاب وتيارات سياسية على مستوى العالم ومحاولة التأثير في الرأي العام وتوجيهه لغايات شخصية أو سياسية أوانتخابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق