بالتربية بالحُبّ!! لن تقلق على طفلك من التَنَمُّر!!

بقلم : عهود القيشاوي

 

 

كنتُ قد أشرتُ في المدونةِ السابقة.. التنمُّر! انتحارُ الضحية أو موتٌ مُحَقّق على يدِ الجاني! إلى ماهيةِ التنمُّر وأسبابه، وخَلُصنا إلى أن السببَ الرئيسي هو ضعفُ شخصيةِ الجاني والضحية، والتي تَسَبَبَ بِضعفِها المحيط الغير داعم للأفراد.

في البدايةِ علينا أن نَعِيَ جيداً أن التنمُّر لن ينتهِ ما دامت الخَلِيقَة!

فمشكلةٌ كمشكلةِ التنمُّر لها جذورٌ ضاربةٌ منذ عقود، لن تنتهِ إن لم ينتهِ كلُ فردٍ على البسيطة من ممارستها.. أو على الأقل ممارسة الأسبابِ المؤديةِ لها، والتي تُمَثِل أسلوبَ الحياةِ التي يعيشها البشرُ! بدايةً من الأسرة للمجتمع للعالمِ بأسره! وهذا بالطبع لن يحدث طالما هناك مقدارُ ذرةٍ من نزعةِ الشّر في النفسِ البشرية.

إنهُ لَمِن مَحضِ الخيال أن نتصورَ عالماً مثالياً، الكلُّ فيه مُحب! والكلُّ فيه مهتمٌ بمشاعرِ الآخر! لذلك فإن المُتَنَمّرين على الدوام سيتواجدُون في الصورة، ولن تخلو حياتُنا وحياةُ أطفالِنا من مشاهدِ التنمُّر بشكلٍ تام.

لكن!! ليس من المستحيلِ أن نتصورَ عائلةً مثالية.. الكلُّ فيها محبٌ وداعمٌ للآخر!!

وهذا بالضبط ما نحتاجه لِنُقَوِي شخصيةَ أطفالِنا، فَنًحميهِم من آثار التنمُّر الموجود من حولهم، نحتاج لتكوين عائلةً تنظر لأفرادِها بعين الحبّ والتقدير وتزرعُ فيهم الإيمانَ والثقةَ بالنفس وتُقَوِي من شخصياتِهم وتدعمُ جانِبَهم وتَكونُ سنداً لهُم.

لا نستطيع إنكار أننا وكأُسرٍعربيةٍ بالذات! لدينا من الحب لأفرادِ عائلاتنِا الكثيرُ والكثير!!

لكن لدينا صعوبةً بليغة في اظهارِ هذا الحب، نظراً لعوامل ثقافيةٍ مُتَفَشِيَة عززت من ربطِ مفهوم اظهار الحبّ أو الحاجة له بالضعف.. فلا نُظهِر حُبّنا أو حاجتنا للحبّ اعتقاداً منّا بأننا نُظهِر ضعفنا مما أدى إلى نشأةِ جيلٍ غير متزنٍ عاطفياً.. لَدَيهِ فجوةٌ من الحاجة للحب والاهتمام تحتاج للمِلء.. ولَدَيهِ فيضٌ من الحب لِمَن حوله لا يستطيعُ اظهاره.. فما كان منّا إلا أننا ساهمنا بإنشاءِ جيلاً متزعزعاً لَدَيهِ مفهومٌ خاطئٌ عن الحبّ بأنه ضعف! فيحاولُ مُوَارَاة هذا الضعف خلف قناعٍ من القوةِ والتسلط.. يُمارِسُهم على من هم أضعف منه.

ولِنَتَدَارَكَ هذا الأمر حتى لا ينتقلُ للأجيالِ القادمة علينا أن نبدأَ بالانتقالِ من طريقةِ التربيةِ التقليدية التي تسببت بِكُل ما سبق إلى التربيةِ بالحب والتي تُعَدُ أحد أساليب التربيةِ الحديثة والتي تُشَجِع على اظهارِ مشاعرِ الحب بين أفرادِ الأسرةِ الواحدة، لِتُقَوِيَ الترابُط فيما بينهم ولِتُعَزِز من ثقةِ كلُ فردٍ منهمُ بنفسه.

بالتربية بالحبّ نُنشِئُ طفلاً قويَ الشخصية متزنَ النفسية.. لا يتنمَّر على أقرانِه ولا يتأثر سلبياً إن تنمَّر أحدُ أقرانه عليه، حيث أن التربية بالحبّ تغلق الفجوات التي يحاول الطفلُ المُتنمِّر مِلؤها عبر التنمُّر، فهو لن يتنمَّر إن كان يشعرُ بأنه موجودٌ ومحبوب ورأيه مأخوذٌ بعين الاعتبار.. ولن يجدَ الوهنُ طريقاً إلى نفسِه فهو محصنٌ من تأثيرِ المُتَنَمِرين، فهو يعرف تماماً كيف يتصرف إن تعرض للتنمُّر، ويتعامل مع الأمر بطريقةٍ إيجابية! لا تُعطِي فرصةً للخوف أو الحزن أو أي مشاعرٍ سلبية لأن تتغلغل في نفسه.

فما هي أُسُسُ التربية بالحبّ؟

الأساس الأول للتربية بالحُبّ.. هو إدراك الوالدان أن هذا الطفل الذي يُرَبُون هو إنسان..

شخصٌ موجود.. ليس بشيءٍ ماديٍ ولا ملكيةٍ خاصة وإنما إنسانٌ له كيانٌ ولَدَيهِ عقل ولَدَيهِ مشاعر.. وعليهما أن يتعاملا معه على هذا الأساس، حتى يؤمن هُوَ بنفسه وبإنسانِيَتِه وإلا فسَيستَصغِرُ الطفلُ نفسَه أماَم الآخرين وقد يَستحقِقِ لنفسه الانتقام منهم بالتنمُّر عليهم فيكون الجاني.. أو يَستحقِق على نفسه ما يصدر منهم من تنمُّر فيكون الضحية.

الأساس الثاني هو إغداقُ الطفل بالحبّ.. فأظهر حبَّك لطفلك بالقول وبالفعل لتُشبِع حاجَته منه!!

قل لطفلك أنك تحبه، قل له أنا أحبك! أحبك كثيراً!! اهمسها في أذنه مراراً وتكراراً، قلها بصوتٍ عالٍ، قلها أمام الأهل وقلها أمام الأصدقاء، فإن قوةَ الطفل وثِقَتَه بنفسِه وشخصيته تنمو وتَتَعزَّز لما يعرف أنه محبوبٌ من قِبَلِ أبويه حيث يُشبِعان لَدَيهِ الحاجة للحبّ.

هذا عن إظهار الحبّ بالكلام أما بالفعل فأكثر من الأحضان، احتضن طفلك ورَبِت على ظهره، ومَلِس بيديك على رأسه ووجهه! وانظر بعينيه.. وداعبه.. ودغدغه!! طفلك صغير وبحاجةٍ للحبّ، وأنت لديك فيضٌ من هذا الحبّ فلا تَخَف من إغداقِه عليه!! هو ليس بضعف!!

الأساس الثالث للتربية بالحُبّ هو الاهتمام!!

فإن جِئتَ بطفلٍ إلى هذا العالمّ كُن على قدرٍ من المسئولية وأَولِه الاهتمام، هو لم يَأتِ بمحضِ الصدفةّ وإنما جاء بقرارٍ منك.. فتحمل مسئوليةَ قراراتك وأعطِ طفلَك الاهتمام.

يبدأ اهتمامك بطفلِك منذ اللحظة التي تختار له فيها اسمَه، فاختر له اسماً يليقُ به.. اسمٌ يشعره بالسعادة والفخر كلما ناداه به أحدهم. اسم لا يتخذه أحدُهم سبيلاً للتنمُّر على الطفل.

اهتم بطفلِك أيضاً من خلالِ اللعب معه! نعم.. لَديكَ أعمال!! ولَديكَ مهامٌ ولَديكَ مسئوليات.. لكن.. أيضاً لديك طفلٌ يحتاج للعب.. فاقتطع من يومك وقتاً خِصِيصَاً للعب معه.. ارسم معه.. لوّن معه.. ابنِ معه برجاً من المكعبات.. حُلّ معه الأُحجِيات.. اجرِ معه.. اقفز معه.. ارقُص معه.. غنِ معه.. اقرأ له كتاباً.. احك له حكاية.. شاهد معه فيلم كرتون.. نافِسهُ بلعبةٍ لوحيةٍ أو الكترونية.. أو فقط!! اجلس بجواره ِ واستَمِع لأحادِيثه المتشابكة وحتى الغير مفهومة.

اهتم بطفلِك من خلال الحديثِ معه خاصةً في الوقت ما قبلَ النوم.. إن الوقتَ الذي تقضِه مع طفلِك تُحادِثه ويُحادِثك، يُعزّز لَديهِ من مهارةِ الحديث والاستماع وتُقرِب من المسافات فيما بينكُم، فإن تَعرّض لموقفِ تنمُّر خارجَ المنزل!! ستكون أنت أولَ من يفكر في مُحادَثته عن الأمر واستشارةِ نَصائِحه..

الأساس الرابع هو الإيمان بأطفالِنا وبمهاراتِهم والعملُ على تنميتِها فيهِم

فإن رأيت في طفلك ميولاً لرياضةٍ ما أو لاحظت فيه موهبةً ما، قُم بِدعمِه وتشجيعِه على مُمارستها فإن الطفلَ الذي يُمارس رياضةً أو هوايةً معينة.. لَديهِ ثقةٌ بنفسِه وبِقُوتِه أعلى من أقرانِه، كما وأن أحد أسرار نجاح الأفرادِ في حياتِهم هو ممارستهم لمواهبهم أو هواياتهم كمهنةٍ لهم! فأفسِح له المَجال وهيِئ له الظروف.

الأساس الخامس للتربية بالحُبّ هو إِشراكُ الطفل في عمليات اتخاذِ القرار!!

فإن ارتأى الأبوان تغييرَ أمرٍ ما يَخُصُ العائلة، كالانتقال من المنزل مثلاً.. يجب عليهم إشراك الطفل بعملية اتخاذِ القرار فيَسَألونَه عن رأيِه بالأمر، حيث أن الأطفالَ الذين يشاركون في اتخاذ القرارات الكبيرة في العائلة ويشاركون باتخاذ القرارات التي تَخُصُ أمورهم الحياتية اليومية! يَشعرُون بأهميتهم وبوجودهم وسَتَجِدهم أَقدر على التعامل مع المُتنمّرِين وأقلُ أقرانهم تنمُّراً.. ذلك بسبب توازُنِ نزعةَ التسَلُط في نفوسِهم والذي خلقته العائلة حين شاركته باتخاذ القرارات.

الأساس السادس هو الثقة والدعم!!

فإن حادَثَك طفلُك عن أمرٍ يُزعِجه، أو اشتكى لك من شخصٍ يتنمّر عليه! فلا تقُم بلومِه فيما يُعرَف بلوم الضحيةّ!! وإنما افهم منه حيثياتِ الموضوع وكن واثقاً من صدقه.. حدِّثه بصراحةٍ عن التنمُّر! فإن أول علاجٍ تطبيقي لضحايا التنمُّر هو الوعي.. طمئِنه أنك إلى جانِبه دائماً وأنك ستقوم باللازم من أجل حِمايَته، قمُ بفعل كل ما تستطيع من أجل حِمايته وتقويَه جانبه، ودَرِبه أيضاً على حماية نفسَه.. كأن تُشارِكه في دُروس تعلُّم فنونِ القتال والدفاعِ عن النفس مثلاً.

الأساس السابع للتربية بالحُبّ هو القدوة الحسنة!!

يبدأ كل شيءٍ من عندك أنت!! فإن المثالَ الأول الذي يحتذِ به طفلُك هو أنت!! فكن نِعمَ المثال ونِعمَ القدوة!! بأن لا تتنمّر عليهم! ولا على أحدٍ (كأمهم مثلاً) أمامهم!! حتى لا يتنمَّرُوا بِدورهِم تقليداً لك أو انتقاماً منك.. وإجابةً على السؤالِ الذي يدورُ بذهنِك الآن.. وهل أنا أتنمُّر على أطفالي؟؟

لا تتعجب.. فإن صُراخَك عليهم وتجاهُلك لِحَديثِهم واستهزاءك بإنجازاتِهم وسُخريتَك من تعبيرهم واستنكارَك لأسئلتهم ومديحَك لأطفال الآخرين أمامهم، وذمَ تصرُفاتهم ومقارنتك إياهم بابن فلانٍ وحفيد فلان!! حتى وإن كان دون قصدٍ منك.. ما هو إلا تنمُّر، يتأثرون نفسياً على إثره فإما يصبحون جناة يُرقِعُون ضعفهم بالتنمُّر على الآخرين!! أو ضحايا بشخصياتٍ هزيلة.. ثِقَتُهم بأنفسهم ضعيفة لا يستطيعون تحمُّل الإهانة ولا حتى الدفاع عن النفس.

على العكس إن اتبعت أسلوب التربية بالحُبّ، والذي يُعَد من أنجحِ أساليب التربية الحديثة.. أثمرت تربيتُك عن طفلٍ متزنٍ قويِ الشخصية!! واثقٍ من نفسه لا يؤذِه كلامُ الآخرين الجارِح ولا يحتاج لأن يُثبِت قُوته فهو بداخلِه مقتنعٌ تماماً بها.

في النهاية أُلخِص بأن طفلَك بذرة!! وأنت من يسقِ هذه البذرة وأنت من يهيِئ لها الأجواء الملائمة لتنمو وتُزهر!! فإن اعتنيت بها بحُبٍّ وحرص.. أزهرَت وترعرَعت وقاومَت العواملَ البيئيةِ المحيطة، وإن سَقَيتَها بلا مقدار!! وكأنك لم تَسقِها أبداً فهي ستنبُت ضعيفة ًهزيلة.. تنهارُ مع أول ِهبةِ رياحٍ!! وإن لم تكُن عاتية!!

 

الرابط الرسمي لمدونة الكاتبة 
معلومات عن الكاتبة من هنا 
صفحة الفيسبوك الخاصة بالكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق