حكاوي القاهرة: حكاية تصلح لأيام الكورونا

حامد محمد حامد

العلاقة بين المماليك وأشراف مكة كانت محل شد وجذب باستمرار .. سلاطين المماليك هما اللي كانوا بيعينوا أشراف الحجاز ومكة والمدينة في مناصبهم، وكانت المناصب دي مهمة جدا للسلطنة، مش بس روحيا باعتبار إن جزء كبير من شرعية وهيلمان سلطنة المماليك كانت راجعة لخدمتهم وحمايتهم للحرمين الشريفين. ويمكن الأهم من كده إن الحجاز كانت مصدر اقتصادي مهم، فالأشراف كانوا بيحصّلوا مكوس ”إتاوات” كبيرة على التجارة اللي جاية من الهند .. وسلاطين المماليك كانوا بيسيبوا الأشراف يقلبوا عيشهم بالطريقة دي لإنهم كانوا بياخدوا منهم مبالغ ضخمة في مقابل تعيينهم في مناصبهم دي!

ولما يحصل أي عوق في الاتفاق، كان المماليك يبعتوا تجريدة تروح تحط على الحجاز وتعمل شوية تغييرات، تقبض على الأشراف اللي خرجوا عن الطاعة وتشحنهم على مصر، وتعين أشراف تانيين مكانهم.

***

وفي ظروف من النوع ده اتقبض على الشريف سرداح بن مقبل، وقرروا إنهم يعتقلوه في سجن في الاسكندرية ويعذبوه هناك .. الشهادة لله المماليك كان عندهم طرق تعذيب وحشية جدا ترعب اللي يقرا عنها بعد 500 سنة زينا كده ..

”التكحيل” كان واحد من الطرق دي ..شوف يا أخي الاسم لطيف قد ايه، وعمره ما يوحي أبدا بشناعة اللي كان بيحصل: كانوا يجيبوا ابرة نحاس معتبرة ويسخنوها عالنار لغاية متحمر ..وهوب يروحوا مكحلين عين السجين بيها لغاية ميتعمي طبعا ..

وده اللي حصل مع سرداح .. كحلوا عينيه، وبعدين سمحوله إنه يرجع الحجاز تاني عشان يبقى عبرة لمن يعتبر ..

سرداح طلع من مصر عالمدينة المنورة .. زار جده سيدنا النبي وغالبا قعد يعيط – لو كان لسة عنده قدرة عالعياط بعد ما اتكحل يعني – ويشتكيله من اللي حصله في مصر ..

وبعدها سرداح روح بيتهم وأخدله تعسيلة .. وفي المنام جاله الرسول عليه الصلاة والسلام ومسح على عينيه .. قام من النوم لقى نفسه مفتح وبيشوف أحسن من الأول!

الأشرف برسباي لما سمع الموضوع ده اتعفرت .. جاب المشاعلي اللي كحل سرداح وطلع تربنتينه .. المشاعلي حلفله بأيمانات المسلمين إنه كحله بذمة وضمير .. وجاب شهود كمان شافوه وهو بيكحل سرداح بالإبرة المحمية لغاية ما عينيه الجوز ساحوا على وشه! السلطان برسباي كان سياسي وداهية أي نعم .. بس في الأول والآخر كان ابن عصره وثقافته .. وآمن فعلا إن فيه معجزة حصلت ..

بعدها سرداح اختار إنه يرجع مصر مفتح وعاش فيها معزز مُكرم وفي بطنه بطيخة صيفي، من ناحية فالسلطان الأشرف برسباي كان بيعمله ألف حساب بعد ما اقتنع إن المعجزة حصلت بالفعل، والأهم من كده، إن سرداح كان متطمن تماما بعد اللي مر بيه إن العناية الإلهية محاوطاه من كل مكان ومش هتسيبه أبدا ..

بس اللي حصل إن سرداح مات بعدها بكام سنة في القاهرة .. سرداح كان واحد من ضحايا وباء الطاعون .. الفناء العظيم اللي حل بمصر أيام الأشرف برسباي !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق