حوار مع الذات: في زمن الغرائب والعجائب

فارس بدر

 

الكتابة بتقديري هي حوار مع الذات، قبل أن تكون حواراً مع الآخر. لا بل هي الذات بما تزخر به من -معارف وعلم وثقافة وقيم- روحيّة،  لتتفاعل مع الواقع المادّي بكافة تجلّياته وتناقضاته.

إنّ ما نشهده اليوم في “زمن العجائب والغرائب” يندرج في دائرة ما يُسمّى “بالأحلام البشعة”، ويفتح الباب على مصراعيه نقاشاً بين الحلم والواقع.

الفارق: أنّنا عندما نستيقظ من هذه الأحلام، نأخذ نفساً عميقاً، ونتنفّسُ الصعداء. غير أن ما نعيشه في هذه اللحظات من كوارث أمام ناظرينا، يُطلق عليه “أحلام اليقَظة”، وبمعنى آخر، هي الحقيقة تمشي على قدمين مرتجفين.

لا مجال هنا للمكابرة، ذلك أنّ الإعتراف بالواقع هو المعبر الضروري لاستنفار العقل في مهمّة جليلة:

في السياق العلمي للأحداث، لا خيار لنا سوى الإنتظار، وعندما يسقط الحق في الخيارات ينغلق العقل وتُسلب الإرادة ويتعطّل الوعي.

في السياق الإجتماعي، يقفز إلى الواجهة مباشرةً السؤال التالي:

من مِنَّا أُعطي الخيار يوم ولادته إلى أيًّ عرقٍ أو دين أو طائفة أو مذهب يرغب بالإنتماء إليه؟

لا أرى أحداً في القاعة رافعاً يده!!!!

حتماً سيكون الجواب بالإجماع: لا أحد.

وهكذا يتخدّر العقل ويستسلم لمشيئة القدر في غياب الخيارات.

هكذا نحن، خُلقنا في وطنٍ لا هويّةَ له، فجاء انتماؤنا، بطوناً وأفخاذاً وقبائلاً وقطعانا. فهذا ينتمي إلى “عبس” وذاك ينتمي إلى “تميم” حتى لا نكاد نعرف من الإنتماء الوطني والقومي إِلَّا بعضاً من شعارات عجزت حتى تاريخه من جمعنا وتوحيدنا.

فإذا كانت الولادة قدراً لا خيار لنا فيه، غير أنّ خيارنا الإرادي المبني على الوعي والثقافة والمعرفة هو خشبة الخلاص من التمزّق والتشرذم والتخلُّف على طريق الوحدة والتحرّر والتقدّم، إجتماعاً وسياسةً واقتصاداً وأمناً، وهنا يحضرني القول المأثور لأنطون سعادة “أنّ اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض”.

الإنتماء الطائفي ذبحنا من الوريد إلى الوريد، والقيادات الطائفية بَنَتْ عرشها وأمجادها على جماجم وعظام فقرائها، وها نحن اليوم نشهد رموز الطائفية وقياداتها يتبادلون التهم حول المصير البائس الذي قادونا إليه.

فإذا كانت الطائفية “كالوباء” قدراً بالولادة، فإنّ “العلمنة وفصل الدين عن الدولة” خيار”الوعي القومي الإجتماعي” الذي أَسّسَ له أنطون سعادة وأرسى قواعده الفكرية والمنهجية في كتبه ومؤلفاته ونضالاته حتى الرمق الأخير من حياته.

حتى الإختراع الفذّ الذي اجترحته وابتكرته عبقرية الطوائف، مفهوم “الشراكة الوطنية”، يُحوّلنا في القاموس الطائفي إلى “شركاء في الوطن” بعيداً عن الإنتماء الحقوقي والقومي.

لهؤلاء يقول سعادة:

“نحن لا نقيم شراكة مع مواطنينا، نحن في نهضتنا لا ننظر إلى مواطنينا من خلال طوائفهم ولا مذاهبهم ولا أحزابهم، بل من خلال مواطنيتهم. لا نحن لسنا شركاء كما يقول البعض، بل نحن أبناء المجتمع الواحد والإنسان الواحد”.

في زمن الغرائب والعجائب نحن أمام خيارين علماً واجتماعاً.

⁃ في العلم: أملنا أن تقضي الأبحاث العلمية على الوباء من أجل خلاص البشرية وتقدّمها وحيوّيتها.

⁃ في الإجتماع: أملنا أن يتغلّب “خيارنا الوطني والقومي” على “قدر الولادة الطائفي” الذي لا حول لنا فيه ولا قّوّة ، من أجل وحدتنا ونهوضنا وتقدمنا في وجه كافة الأعاصير العاصفة التي تواجهنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق