شرفــة الياسميــن: إفطار يــوم الجمعـــة الدمشــقي

محسن قطمة – مسيساجا
يوم الجمعة له إهتمام خاص لدى سكان دمشق ومعظم المدن السورية لأنه يوم العطلة الرسمية التي تعفي غالبية المواطنين من الإلتزام الدقيق بالوقت ومغادرة منازلهم للإلتحاق بأعمالهم سواء كانت وظيفة لدى الدوائر الحكومية أو الشركات الخاصة أو كانت أعمال تجارية أو مهنية، لذا فهناك متسع من الوقت لتناول فنجان القهوة بهدوء وتمهل إما على بلكون الشقة المطل على شارع رئيسي أو جادة فرعية في الأحياء الحديثة ذات المباني الطابقية، أو في أرض الدار للبيوت التي لا زالت قائمة بالأحياء القديمة التراثية مثل القيمرية وساروجه أو البيوت المجددة بالأحياء الشعبية والتي تحتفظ بفسحة سماوية بمساحة معقولة كأحياء الميدان وباب توما والعمارة، لأن أهالي دمشق عموما متلهفون دوما لتنفس الهواء النقي القادم غربا عبر جبل قاسيون وصحراء الديماس أو إستقبال الشمس الدافئة بفصلي الربيع والخريف التي تسطع من الجنوب أو كما يسمى “الإتجاه القبلي” واللجوء إلى فيئ البيوت والحدائق بأشهر الصيف القائظة.
ما تكاد الأسرة تنتهي من تناول فنجان القهوة الصباحية حتى يبدأ الإستعداد لتناول إفطار يوم الجمعة الذي يحصل متأخرا عادة ريثما يتم تحضيره، ورغم أن الحمّص يعتبر القاسم المشترك لدى معظم الأسر الشامية وبمختلف فئاتها، فصحون الحمص تأخذ أشكالا عديدة يتم تحضيرها لدى دكاكين الحارة غالبا أو ضمن البيت لما في ذلك من توفير بالنفقات، فهناك الحمص بالطحينـة أو “المسبحة” بتعبير أهل دمشق أو “فتــات الحمص بالسمنة” أو “التسقية” بالزيت، أو حمص حب باللبن، ويقدم معها جميعا البصل والمخللات والبندورة المقطعة، ولا يقل “الفول” بالحمض أو باللبن والطحينة أهمية عن الحمص ولكن تحضيره يجرى غالبا لدى الدكاكين المختصة بالحارة لما يحتاجه من وقت للتحضير، ويعتبر سكب زيت الزيتون على وجه الصحون ووجود البصل وقطع البندورة وعروق البقدونس تكملة ضرورية لمتعة الطعام لهذه الوجبة الصباحية.
وحديثا ومع إنتشار الأفران في الأحياء يلجأ كثير من الأسر إلى تناول شرائح “المناقيش” لإفطار يوم الجمعة، حيث يرسل أحد الأبناء اليافعين للفرن القريب للحصول على عدة أنواع من المناقيش، فهناك منقوشة بالزعتر وتلك بالجبنة البيضاء وأخرى بالقشقوان والمحمرة الحارة، وأيضا باللحمة الناعمة وكذلك بشيش الدجاج، ولكن ذلك يشكل عبئا وتكلفة قد لا يتحملها البعض لذا يتم اللجوء إلى صنع المناقيش بمطبخ البيت بالخبزا لمشروح على الصاج المحمّى على فرن الغاز المنزلي، وتقدم ساخنة خلال الإفطار حيث يتهافت عليها أفراد الأسرة وبالطبع فإن أبريق الشاي وكاسات البلور الشفافة المرافقة له يعتبر من ضرورات هذا النوع أو غيره من الإفطار.
لا يقتصر إفطار يوم الجمعة الشامي على الحمّص والفول وتوابعها، فكثير من الأسر تعمد إلى تضمين وجبة الإفطار صحن كبير مسطح من البيض المقلي أو البيض المسلوق الساخن ويرش على كليهما الفلفل الأسود، وبجانبه زبادي اللبن البلدي بحموضته المميزة . بعض الأسر تلجأ وخاصة بفصل الشتاء إلى صــنع حلاوة السميد أو” الميمونية ” أو”المامونية” التي تشتهر بها مدينة حلب خاصة وتوضع في صحن مالقي على شكل شختور ويسكب عليه السمن العربي ومعه الصنوبر المقلي بلونه الذهبي ويستحسن أن يقدم بجانبه قطع الجبنة العربية البيضاء. ومثلها في صباحات الشتاء الباردة تقوم ربة المنزل بتجيهز الأطعمة التي تبث الدفء بجسم الأطفال وبنفس الوقت تعطيهم قيمة غذائية، وأهمها “الكاوية” التي تصنع من غلي الحليب المضاف له السكر وتحريكة بإستمرار مع إضافة قليل من النشاء فيعطي لزوجة وكثافة ويسكب بكؤوس بللور أو زبادي أو صحون صغيرة دائرية.
إفطار يوم الجمعه الشامي هو عرف من طقوس الحياة اليومية للشعب السوري عامة يعبر في الواقع عن الحالة الإجتماعية التي تقوم على الترابط الأسري والذي بدوره ينشأ من ترابط الأحياء مع بعضها، فبيوت دمشق سواء كانت مجموعة الدور العربية القديمة المتلاصقة مع بعضها مثل القيمرية وساروجه والشيخ محي الدين، أوالشقق الطابقية المتماثلة القائمة على جادات يلتقيها شارع رئيسي مثل شارع بغداد والقصاع والصالحية والجسر الأبيض حتى آخر المهاجرين، من الصعب أن تجد مساحات تفصل الأحياء عن بعضها فهي متداخلة لا تستطيع فصل الميدان عن الشاغور ولا الصالحية عن ساروجة ولا العمارة عن القصاع وباب توما بل كأنها حي واحد، ماعدا أحياء المخالفات الحديثة التي إبتعدت عن هذا النسيج الديموغرافي ولذلك إستعصت السيطرة على دمشق من قبل الغزاة، فالحدث الذي يقع في شرق المدينة مثلا تهتزله كل جوانب الشام، هذا ماحصل بشكل واضح في غزو تيمورلنك لدمشق، فرغم جحافل الغزاة وتلال الجماجم التي صنعها بطشهم لم يستطيعوا العيش بالشام لأنهم بقوا غرباء عن ذلك الجسم العريق، واليوم فالأحداث الأليمة التي أحاقت ببلاد الشام لم تستطع تدميرها لنفس الأسباب التي هزمت الغزاة سابقا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق