قراءة فى أزمة الكورونا

 د. محمد شكر

كشفت أزمة فيروس الكورونا عن جوانب مضيئة وأخرى قاتمة فى المنظومات الأخلاقية لحياة المجتمعات. تبدو الجوانب المضيئة فى إلتزام الناس بتعليمات الحد من الإختلاط وتقديرهم للعاملين على الخطوط الأمامية فى مكافحة الفيروس فى المراكز الطبية وفى تدخل الحكومات لإعانة المتضررين الذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم، وتشمل أيضا كل اللحظات التضامنية الجميلة بين الناس عندما يتطوعون لمساعدة المحتاجين من المرضى أو من شريحة المسنين. هذا فضلا عن التقارب الملحوظ بين الناس فى وسائل التواصل الإجتماعي.

بإختصار فإن الجوانب المضيئة التى برزت من خلال هذه الأزمة هى كل ما إرتبط بقيم إنسانية محمودة عند كل الأقوام مثل التعاطف والصدق والتسامح والعدل والتعاون (لا التسابق)على إبتكار مصل الوقاية من هذا الفيروس وغيره.

أما المراد بالجوانب القاتمة فهى كل خطاب أو سلوك ينم عن روح تعصب أو تعالى أو أنانية أو إستغلال صدر عن أشخاص أو حكومات. هذه الجوانب السلبية عادة ما تكون مستترة فى الأوقات العادية لكنها تنكشف فى وقت الأزمات. ولنا فى ذلك عبرة فيما حدث بعد أحداث ۱۱ سبتمبر عام ۲۰۰۱ فى الحملة الهوجاء على الإسلام وعموم المسلمين والتى أصبحت معروفة بالإسلاموفوبيا بعد أن نضحت بها نفوس وجدت متنفسها فى تلك الكارثة الرهيبة.

ولعل أكثر الجوانب قتامة فى حياة البشر اليوم هو التعالى على الآخرين لإثبات فضل أيديولوجية أو لتعزيز تفوق إقتصادى. فالتعالى يخلق حواجز نفسية بين الناس (خلقتنى من نار وخلقته من طين). وأصبحت أزمة الكورونا هى المتنفس الحالى لهذه الرذيلة الخُلُقية.

ومن غرائب هذا الزمن أن العولمة التى ألغت معظم الحواجز المادية والجغرافية بين البشر (حيث يمكن لزوجين فى مصر مثلا أن يقضيا شهر العسل فى سنغافورة) لم تستطع أن تلغى الحواجز النفسية بينهم، ويتجلى الحاجز النفسى فى النظر إلى الآخرين بإعتبارهم الأدنى، وبالتالى فهم لا يستحقون الإحترام أو التكريم أو التسامح أو التعاون، وغاية العدل معهم قد تكون فى إغداقهم بالصدقات. وهذا هو عين التجاهل للقيم الإنسانية.

فهل ستدفع أزمة فيروس الكورونا الناس لتخطى هذه الحواجز النفسية وبالذات تبديد التعالى بين الأفراد والشعوب؟ على محور الإجابة على هذا السؤال نستكمل المقال بمثالين. أولاهما يشير إلى عنجهية واضحة فى خطاب سياسى أميركى نحو الصين والثانى عن تكبر واضح فى خطاب دينى محسوب على الإسلام. كلاهما يقترح الدواء لكنهما فى الحقيقة منابع للداء.

تتهم الإدارة الأميركية ومن والاها جمهوية الصين الشعبية بالتعتيم على خبر إنتشار الفيروس فى بداياته وبالتالى تضليل العالم مما أدى إلى إنتشار الفيروس فى كل الدول – والرسالة الضمنية هنا أننا (نحن الأميركيون) زى الفل أما الصين فحزبها الحاكم الشيوعى هو مصدر الكذب وشعبها الذى يأكل الصراصير هو منبع الأمراض. يعنى الإتهام ينحصر فى كلمتين هما الكذب والقذارة. وبغض النظر عن مدى صحة هذان الإتهامان فهناك حقيقتان لا يمكن إغفالهما لتفنيد تلك الأقوال.

أولاهما بخصوص الكذب. إن التستر على الحقيقة هو بالفعل سمة واضحة فى أسلوب أداء الحزب الشيوعى الحاكم، لكن قبول الشعب لخطاب السلطة بدون معارضة هو أيضا قيمة إجتماعية عالية جدا فى الصين متجذرة فى منظومة إجتماعية إمتدت على مدى آلاف السنين. ومع ذلك فلا يمكن إنكار أن هذا الحزب قد إرتقى بحياة الصينيين وبتعمير البلاد، وإرتفع بالخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية إلى مستويات تنافس أو تتفوق عما نراه فى الغرب.

الكذب مذموم لكنه للسياسة قرين. أليس هذا ما أشار إليه ونستون تشرشل حين مرّ بقبر كان مكتوبا عليه “هنا يرقد السياسي البارع والرجل الصادق فلان”. فتسائل ساخرا هذه أول مرة أرى فيها شخصين مدفونين في قبر واحد. والمعنى أن التقاء الصدق بالسياسة مستحيل.

فإذا كانت الصين قد كذبت على العالم كما تدعى الإدارة الأميركية فهى لم تكذب على نفسها حين شهد العالم كله إجراءات التباعد الإجتماعى وعزل المدن وإغلاق الأعمال والمصانع والجامعات هناك فى بدايات إنتشار الفيروس، وكلها دروس إستفاد منها العالم لاحقا.

أما الحقيقة الثانية فهى تفنيد لإتهام الصينيين بالقذارة. أقول هنا – بعد أن قضيت إثنا عشر شهرا فى الصين للعمل فى جامعتين هناك – يكفى أن تتجول فى شوراع المدن الكبرى لتكون شاهدا على النظافة والنظام واللمسات الجمالية. إذا إستخدمت المواصلات العامة فسترى فخامة المركبات ودقة الأداء. إذا تناولت غذائك فى مطعم فى بكين أو شنغهاى أو أوهان فستحكم بنفسك على مستوى الإلتزام بقواعد الصحة العامة على موائد الطعام وفى مظهر العاملين وطريقة الخدمة. وإذا أردت المزيد من المعرفة فإستفسر عن مراقبة السلطات الصحية للنظافة فى الأماكن العامة وستجدها لا تقل بأى حال عن المستويات العالمية.

أنا لم أشاهد أكل الحشرات فى الصين وربما يكون ذلك واردا فى قرى ومجتمعات صغيرة. أكل لحم الحمير والكلاب موجود بالفعل فى المدن الكبيرة لكنه ليس مألوفا. فالمطاعم الضخمة التى يرتادها كل الطلاب فى الحرم الجامعى مثلا لا تقدم هذه اللحوم بالرغم من التنوع الكبير فى قائمة الطعام. لذلك فإنى أجد أن تكرار القول بأن الصينيون يأكلون الحشرات وكل ما هو قذر هو من قبيل التحقير بشأنهم (يعنى رذيلة التعالى).

ونعود للسؤال لماذا تتهم الإدارة الأميركية حكومة الصين بالكذب وتُحَمّلها مسئولية إنتشار الوباء فى العالم. هل بسبب دواعى منافسة إقتصادية. هذا جائز. هل بسبب سرقة الصين لتكنولوجيا معلومات أضرت بالأمن القومى الأميركى؟ هذا أيضا جائز. هل بسبب الرغبة فى تحجيم النفوذ الصينى (الإشتراكى) المتسارع فى بلدان العالم الثالث؟ كل هذا جائز.

لكن بما أن هذا المقال – كما ورد فى صدارته – يتناول إرجاع الأسباب إلى المنظومات الأخلاقية فإنى أميل إلى القول بأن الإستعلاء هو (على الأقل) أحد الدوافع وراء هذه الهجمة الشرسة على الصين.

فكأنى أستشعر من سيكولوجية الإدارة الأميركية الحالية لسان حالها يقول أنا أميركا التى هبطَت على القمر عندما كانت الصين تستخدم الدواب للتنقل بين البلدان. أنا أميركا منارة الحرية التى كان المعارضون فى الصين يؤموها فرارا من فظائع الإعتقالات هناك أثناء محنة الثورة الثقافية فى ستينيات القرن الماضى. أنا أميركا التى قدمت النموذج المبهر للحياة الإجتماعية (الجينز والوجبات السريعة والسينما وموسيقى الراب والهيب هوب) وهو ما يتلقفه العالم اليوم بما فيه الصينيون. أنا أميركا سيدة التكنولوجيا التى عرضت المساعدة على الصين لمواجهة فيروس كورونا لكنها رفضت. فكيف أقر بعجز النظام الصحى لدىّ مما أدى إلى أن تزيد عدد الإصابات عندى إلى سبعة أضعاف مثيلتها فى الصين؟ لابد أن يقع اللوم على الصين – فهى التى أخطأت وهى التى ضللت وهى التى تأكل القاذورات إلخ.

هذه سيكولوجية المغرور الذى ينظر إلى غيره بإستصغار. فلا هو يعترف بقصوره ولا يُثمِّن إنجازات غيره. فهل يمكن أن تؤدى أزمة الكورونا الحالية إلى إستبدال هذه السيكولوجية السلبية فى عالم ما بعد الكورونا؟ دعنا نتمنى ذلك.

وبالتوازى تفيض قنوات التواصل الإجتماعى فى مجتمع المسلمين هذه الأيام بكلام صادر بحسن نية عن دعاة مسلمين لكنه لا يُخفى نبرة التعالى والشماتة والإقصاء – وكلها جوانب قاتمة فى المنظومة الأخلاقية تصب فى مجال الداء ولا تأتى بدواء.

أختار هنا مقاطع من تسجيل واحد أريد به إبراز خطورة خطاب التعالى هذا. ليس من المهم ذكر مصدره. يتوجه المتحدث الداعية هنا للمسلمين بأن يخبروا الكفار بفضل المسلمين عليهم. هكذا بصريح العبارة، وكأن العالم لا يزال ينقسم فى هذا الزمن إلى دار الإسلام ودار الكفر (وبالمناسبة فلن نقهر الكورونا بهذا التفكير ولن نصبو به إلى العالم الأكثر سلاما وإتزانا فى عصر ما بعد الكورونا).

يقول المتحدث أخبروا الكفار أن المسلمين لا ينتظروا منهم العلاج، أخبروهم أن المدير التنفيذى للشركة التى تملك حقوق إنتاج جهاز التنفس الصناعى فى إيرلندا هو رجل مسلم قد أعلن عن منح هذا الجهاز مجانا لكل دول العالم. أخبروهم أن فريق جامعة جون هوبكنر الذى يسعى لإبتكار أسرع جهاز لتشخيص الإصابة بالكورونا تقوده طبيبة مصرية مسلمة. أخبروهم أن الآلاف من الأطباء المسلمين يقفون الآن فى الخطوك الأمامية لمكافحة هذا الوباء وأن أول ثلاثة أطباء سقطوا شهداء فى بريطانيا هم مسلمون ماتوا وهم يعالجون غير مسلمين.

فهل الشهيد هو الطبيب المسلم الذى كان يعالج مرضى غير مسلمين؟ وماذا عن الطبيب غير المسلم إذا مات وهو يعالج مرضى مسلمبن؟

ويستأنف نفس الشخص قوله بأن المسلمين أوقفوا صلاة الجمعة والجماعات وأغلقوا المسجد الحرام والمسجد النبوى ولم يخيبوا مثل “أحبابكم فى إيطاليا وأسبانيا والدول المتقدمة”. ولم يكتف بذلك بل قال إن الوباء ظهر فى بلاد لا تؤمن بالله واليوم الآخر، فى بلاد تطبخ وتأكل الخبائث، ولم يخرج من بلاد المسلمين لأنهم يتوضئون وبغتسلون ويتطهرون ولا يأكلون إلا الحلال الطيب. وأكتفى بهذا القدر لأن ما تبقى هو حفنة من الشتائم.

قد يقول قائل ولماذا الإهتمام بمثل هذا الخطاب ونحن نعرف أن مصدره جماعات أو حتى دول لا حول لها ولا قوة فى التأثير على أحداث العالم؟ يعنى فلنترك مثل هذا الخطيب يقول ما يشاء لأن لا أقواله ولا أنصاره ستؤثر على توجيه العالم نحو مسار أفضل.  هذا صحيح لكنى قصدت الإشارة إلى مثل هذا الخطاب لأنه يمثل جانبا قاتما فى المنظومة الفكرية المحسوبة على الإسلام.

نحن نتوق إلى عالم ينصهر فيه الناس داخل منظومة من القيم الإنسانية، وليظل كل على دينه يستلهم منه عناصر تلك القيم ولا يدخل فى متاهات الخلاف والإستعلاء والخصومات والرغبة فى التشفى.

نحن نتوق أن نسمع من دعاة المسلمين فى هذا الوقت أن رسول الإسلام قال فى حجة الوداع أمام كثرة من العرب وقلة من الأعاجم “يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كُلّكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى”. هذا تحذير واضح لكى لا يسقط الناس فى فخاخ التعصب والإستعلاء.

لقد غزى الإستعلاء عقول الكثيرين وبات ظاهرا فى كثير من الخطاب والسلوك فى هذه الأيام الكورونية. ربما يستلزم مواجهة الفيروس مصلا مبتكرا لكن مواجهة توابعه النفسية تكمن فى عودة الناس والحكومات إلى القيم الإنسانية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق