لماذا تضحّي الولايات المتحدة بمصالحها القومية استرضاء للآخرين؟

  بقلم : سمير جبور – مستشار تحرير جريدة الوطن 

لا نأتي بجديد اذا جزمنا بان السياسة الغربية ولا سيما الأميركية تجاه شعوب العالم وانظمتها الوطنية، انما هي سياسة عقيمة تؤدي الى الإضطرابات والفوضى التي تنعكس سلبا في النهاية على المصالح الغربية بصورة عامة. والمعروف ان الدول الغربية وعلى راسها اميركا تنتهج منذ الحرب العالمية الثانية سياسة الأنحياز والتأييد الأعمى للانظمة الدكتاتورية الموالية للغرب وليس لمصالح شعوبها ولاحقا احتضنت الولايات المتحدة اسرائيل وأمدتها بجميع اشكال الدعم وأطلقت يد الإستعمار الصهيوني للبطش بفلسطين وشعبها .وهنا يقودنا هذا السيناريو الى طرح السؤال ألأساسي: هل ساهمت سياسة الولايات المتحدة العالمية في حماية مصالحها القومية؟ ام ان هذه السياسة اضرت بهذه المصالح وعادت على شعوب المنطقة ويلا وبالا ودمارا!

لناخذ على سبيل المثال آخر مستجدات هذه السياسة العقيمة واقصد جريمة اغتيال الجنرال سليماني. ماذا حققت ادارة ترامب من وراء هذا العمل الإستفزازي العدواني وانتهاك حرمة أراض الغير؟ كيف يمكن لدولة عظمى ان تسمح لنفسها باللجوء الى عمل ارهابي وقرصنة جوية على غرار سياسة الإغتيالات الإسرائيلية! اذ تفيد آخر التقارير ان المخابرات الإسرائيلية هي التي ساعدت وارشدت اميركا على اغتيال الجنرال الإيراني؟ ماذا جنت ادارة ترامب من وراء هذا العمل الجنوني سوى جعل مصالحها هدفا للإنتقام  والتسبب – ولو بصورة غير مباشرة- في كارثة الطائرة الأوكرانية التي ذهب ضحيتها 176 مواطنا بريئا.

كيف تسمح هذه الدولة العظمى لنفسها بالإنجرار وراء اجندة صهيونية تخدم مصالح اسرائيل في تفتيت وتدمير الوطن العربي وخلق الفوضى في العالم لصرف النظر عن اعمالها العدوانية ضد الشعوب العربية عامة والشعب الفسطيني خاصة؟ .ما هي مصلحة الولايات المتحدة في استعداء 83 مليون ايراني وملايين اخرى في العالم؟ متى كانت ايران تشكل خطرا على المصالح الأميركية وهي التي تبعد آلاف الأميال عن أميركا؟ فمن خلال نظرة فاحصة لا نرى أي سبب مباشر لوجود خلاف بين ايران واميركا سوى استجابة لأجندة صهيونية – اسرائيلية واسترضاء لمساعي اسرائيل المستمرة للانتقام من ايران بسبب دعمها لحزب الله الذي حرم اسرائيل من تحقيق أطماعها التوسعية في لبنان ومساعيها التقسيمية. ولا سيما في اعقاب حرب تموز 2006 وما جلبته نتائج تلك الحرب على سياستها الردعية من تقهقروانحسار. علاوة على صعود ايران كدولة اقليمية تنافس اسرائيل وتحرمها من الإنفراد بهذه المكانة ..

وما هي المصلحة الأميركية في الغاء الإتفاق النووي مع ايران والذي توصل اليه الرئيس السابق اوباما خدمة للسلام العالمي؟ لكن ادارة ترامب لايهمها سلامة العالم بقدر ما يهمها الإستجابة لمسعى اسرائيل لتدمير الطاقة النووية الإيرانية وليس مصلحة السلم العالمي لكي تبقى هي – اي اسرائيل- الدولة النووية الوحيدة في الشرق ألأوسط. ومرة أخري، ما هي مصلحة الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية في مد العون الى منظمات ارهابية انطلقت بفضل هذا الدعم علاوة – على الدعم  الإسرائيلي السري والعلني- تعيث قتلا وتدميرا وخرابا بأحجام رهيبة؟

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في تدمير وتفتيت دول رئيسة في المنطقة مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن؟ هل التعامل مع دول مدمرة وشعوب مشتتة تعاني الأمرين يخدم مصالح الولايات المتحدة  والمصالح الغربية ألأخرى. ماذا جنت ادارة جورج بوش الإبن من وراء الحرب على العراق في سنة 2003  سوى تدمير هذا البلد العريق وزرع الفتنة واشاعة الخراب والدمار في بلاد الرافدين؟ ماذا تفيد الولايات المتحدة من التعامل مع بلد يعاني من الدمار والتقسيم والتفتيت وألإضطراب وعدم الإستقرار؟ وأخيرا ما هي مصلحة الولايات المتحدة وبريطانيا بالطبع في مد العون للحركة الصهيونية في الإبقاء على الجرح الفلسطيني نازفا؟ كيف تسمح هذه الدول العظمى لعصابات مسلحة بان تدمر بلدا عريقا في التاريخ وتمحي حضارته وثقافته لتحل مكانها دولة عنصرية مغتصبة.

ما هي المصلحة الأميركية في تاييد المستوطنات إلإسرائيلية التي اقيمت على اراض فلسطينية صادرها الجيش الإسرائيلي بقوة السلاح لتحرم سكانها الفلسطينيين الأصليين من من جني ثمارها التي هي مصدر رزقها الأساسي على مر العصور .ما هي المصلحة الأميركية في الرضوخ التام للحركة الصهيونية بالإعتراف بالقدس عاصمة اسرائل وهي المدينة المقدسة لجميع الديانات السماوية التي تؤمن بوحدانية خالق هذا الكون والتي احتلتها اسرائيل بالقوة العسكرية متحدية العالمين المسيحي والإسلامي؟

ما هي مصلحة الإدارة الترامبية في الإعتراف باحتلال اسرائيل للجولان وهي ارض سورية منذ القدم وتقر بذلك كل القوانين الدولية؟ فهل من واجب الدولة العظمى تأييد الإحتلال بدلا من حماية الشعوب المعرضة للإحتلال والإغتصاب والعدوان؟ كيف تسمح الدولة العظمى لنفسها بتاييد احتلال اراضي الغير ليكون سابقة خطيرة في العلاقات الدولية؟. متى ستتعظ هذه الدولة العظمى وتغير نهجها وسياستها وتتبع مسلكا جديدا يناصر الشعوب ويساهم في ازدهارها وتقدمها والإجتماعي والإقتصادي اذ ان مقتضيات هذا التقدم هي الإفادة من الإنجازات التكنولوجية والعلمية التي تحققها دول الغرب مما سيعود بالنفع على مصالحها؟ أوليس الأجدى بالغرب وعلى راسه اميركا التي تنفق الأموال الطائلة على الحروب والأسلحة بدلا من استثمارها على مساندة الشعوب لتحقيق امنها الغذائي وازدهارها وتقدمها في مختلف الميادين؟.

لو ان الولايات المتحدة تنفق تلك الأموال الطائلة التي تمنحها لإسرائيل والتي تستخدمها هذه من اجل بناء قوة عسكرية لقهر الشعوب العربية وترسيخ احتلالها لفلسطين ومواصلة مشاريعها التوسعية الإحلالية، لو تنفقها على مشاريع استثمارية تساهم في توفير البحبوحة والرخاء للشعوب لاستطاعت  كسب ودها مما يعود بالخيرعلى مصالحها !عندما تؤدي الولايات المتحدة دورها الحقيقي كدولة عظمى (ومعها سائر الدول العظمى) من دون محاباة او انحياز لأية جهة تشكل طرفا في اي نزاع متوخية العدل والنزاهة، عندها يسود السلام والوئام والأستقرار في العالم ولاسيما في الشرق الأوسط. واذا حصرنا اهتمامنا في هذه المنطقة بالذات نجد ان الولايات المتحدة لا مصلحة لها في التورط في اي نزاع اذ ان ما يربطها بهذه الدول مصالح مشتركة ومتبادلة. فالولايات المتحدة بحاجة الى مصادر الطاقة والأسواق التي تملكها هذه الدول وتلك تقتضي مصالحها انشاء علاقات سياسية واقتصادية قوية. فهي بحاجة الى السوق الأميركية لتصريف الطاقة والأفادة من الإنجازات العلمية والتقنية التي تحققها الولايات المتحدة على كل صعيد. اوليس اولى بالولايات المتحدة ان تغير نهجها وسياستها تجاه الشعوب المغلوبة على امرها والتي تحكمها انظمة قمعية دكتاتورية تمدها الولايات المتحدة بعوامل البقاء والإستمرار !

وهنا يقودنا هذا السيناريو الى تساؤلات مشروعة في ضوء سلوك هذه الدولة العظمى في المنطقة وسياساتها الخاطئة الى سؤال شرعي: مثلا لماذا تضحّي الولايات المتحدة بمصالحها الحيوية في المنطقة استرضاء للاخرين؟ ولا سيما لإسرائيل؟ هل تاييدعا الأعمى لإسرائيل ساهم في نشر السلام والإستقرار في المنطقة؟ هل احتضان اسرائيل بكل ما تمثل من انتهاكات لحقوق الإنسان والقوانين الدولية يخدم الإستقرار في الشرق الأوسط. عندما تتحرر السياسة الأميركية من الإنصياع لللوبي الصهيوني وتنتهج سياسة مستقلة تسخرها في خدمة مصالحها القومية وليس في خدمة مصالح انتخابية ضيقة ومتى تتخلى الولايات المتحدة عن انحيازها الأعمى لبعض أطراف النزاعات سيسود السلام والوئام في العالم وتكون الدولة العظمى قد مارست دورها الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق