X4iptv.com

ما بين اللغة الأم والبيئة اللغوية!! ما بين الدراسات الحديثة والواقع!! تحدٍ آخر من تحديات بلاد المهجر!!

بقلم:عهود القيشاوي

!!طفل يتعرض لأكثر من لغة

سيناريو مؤرِق.. تعيشه العائلة المهاجرة.. إلى دولةٍ غير ناطقةٍ بلغتها الأم.. صراع ما بين تثبيت الهوية والتي ترتبط بالدرجة الأولى بإتقان اللغة الأم.. وما بين الوقت والجهد والمال الذي تبذله العائلة من أجل توفير البيئة اللغوية اللازمة لتمكين أطفالهم من لغتهم الأم.. وما بين النتائج الغير مرضية نسبياً برغم كل الدراسات الإيجابية التي تدعم تعريض الطفل للغتين دون خوف من النتائج.

على الرغم من كل ما توفره العائلة من سبل لتحيط أبناءها بالمحيط اللغوي المطلوب لتطوير المهارات اللغوية!!

إلا أن النتائج في معظم الأحيان غير مرضية.. وهنا ليس من المقصود الأطفال الذين هاجروا للدولة الجديدة في عمر ما بعد الخمس سنوات والذين تختلف نتائج تطويرهم للغة الأم بشكل ملحوظ.. ذلك أن لديهم أساس متين لغوياً من لغتهم الأم، يسهل عليهم البناء فوقه كل جديد من المهارات اللغوية التي يكتسبونها من البيئة اللغوية المحيطة بهم.

ولكن.. المقصود هنا هو الطفل الذي ولد في الدولة الجديدة، وبدأ بالتعرض للغتين في آن واحد ومنذ لحظة الولادة.. كأن تتكلم العائلة باللغة العربية مثلاً.. والمحيط ينطق بالإنجليزية.. فإن هذا الطفل يختلف بتطويره للغتين عن الطفل الذي يتعرض للغة واحدة ويختلف أيضا عن الطفل الذي تعرض للغة الثانية من بعد ما طور اللغة الأولى خلال الخمس سنوات الأولى من عمره، وذلك يرجع إلى الطريقة التي يعمل بها دماغه.

لن أتطرق للجانب الخلقي المذهل والذي يجعل دماغ الطفل حديث الولادة مجهزاً تماماً لانتقاء الأصوات وتخزينها وتحليل المقاطع الصوتية وتصنيفها ومن ثم تخزين الأصوات تحضيراً مسبقاً لعملية النطق والكلام.

ولكن!! أكتفي بتشبيه دماغ الطفل بجهاز كمبيوتر يأتي مجهزاً بمجموعة برامج تخص كل لغات العالم، فما إن تبدأ حاسة السمع بالعمل عند الجنين، يبدأ معها الدماغ عملية تفعيل برنامج اللغة المسموعة والتي سيتم تطويرها وتخزين الأصوات الخاصة بها.. فإن كانت الأصوات المسموعة تنتمي للغة واحدة فإن الدماغ يفعل برنامج تعلم هذه اللغة بالذات وتكون اللغة الأم.. وإن كانت الأصوات تنتمي لأكثر من لغة فإن الدماغ يفعل البرامج الخاصة بهذه اللغات ويبدأ بتجميع الأصوات من كل لغة وتخزينها في برامجها حسب نوعها ويصبح الطفل متعدد اللغات.

إن كان دماغ الطفل معداً لتلقي مختلف اللغات ومجهزاً لتطويرها خلقياً.. فلماذا إذاً على أرض الواقع تجد العائلات المهاجرة صعوبة في تطوير اللغة الأم الخاصة بهم وتمكين أطفالهم منها إلى جانب اللغة المسموعة مُجتمعياً؟

يقع السبب خلف فقر البيئة اللغوية! حيث يحتاج الطفل لكم هائل من المادة السمعية لتغذية البرنامج الخاص بتلك اللغة في عقله، فإن كان يتعرض لهذه اللغة ولكن كمية ما يسمعه من الكلام لا يتعدى حدود ما يسمعه من عائلته الصغيرة فقط.. فمؤكد أنه لن يطور اللغة كطفل يسمع هذه اللغة من عدد أكبر من الأفراد.. حتى وإن لم يكن الطفل عضو مشارك في الحديث وإنما فقط.. مستمع.. وذلك سبب أن طفل يتعرض للغتين في مكان غني باللغتين يكون قادر على تطويرهم بشكل أكبر من طفل يتعرض للغتين ولكن أحد اللغتين لا يسمعها بشكل كبير.. وهذا ما يحصل مع العائلات المهاجرة خاصة تلك التي تعيش بمعزل عن الجالية المتحدثة بلغتهم وأيضاً تلك التي يضطر فيها الوالدان للعمل من أجل لقمة العيش.

فمثلاً.. طفلُ في الثانية من عمره.. يتوقع منه أن يتكلم على الأقل بعدد من الكلمات لا يقل عن خمسين كلمة!!

إن افترضنا طفل يتعرض للغة واحدة قد استجمع خمسين كلمة من تلك اللغة، وطفل يتعرض للغتين قد استجمع خمس وعشرين كلمة لكل لغة.. بالتالي إن قدرته على التعبير عن نفسه بالكلام في كل لغة يصل إلى نصف ما يستطعه الطفل المتعرض للغة واحدة.. وعلى ذلك فإن الطفل ثنائي اللغة لديه أساس لغوي أضعف في كل لغة ممن يتعرضون للغة واحدة في نفس العمر، مما يؤدي لاحتياجه لوقت أطول لاستكمال الأساس المطلوب ومن ثم البناء عليه لغوياً.

عدا عن أن بعض الأطفال يعانون من تأخر في النطق أو تأرجح ما بين اللغتين بسبب الضغط النفسي الذي يتعرضون له نتيجة مقارنتهم بأطفال آخرين من نفس العمر، أو حتى الضغط الذي يشكله الأهل مطالبين الطفل بالتحدث بلغتهم في كل مرة يتحدث فيها اللغة الأخرى.. فالطفل يستخدم اللغة تعبيراً عن احتياجاته مستخدماً الكلمات التي تم تخزينها في عقله والأسهل عليه في النطق متوقعاً استجابة لما يطلب.. فإن تعرض للرفض مجبراً على التحدث بكلمات أصلاً هي ليست متواجدة في عقله فإنه يشعر بالعجز الذي يؤدي به إلى استخدام أسلوب الإشارة مثلاً أو البكاء أو تفضيل السكوت على الكلام أو كره للغة المطلوب منه الحديث فيها.

نعالج هذا الموقف بالذات بالمبادرة بإعطاء الطفل الكلمات الصحيحة باللغة المطلوبة بدون إجباره على استخدامها مقابل تنفيذ ما احتاجه.. فإن أتاك طفلك راغباً بكأس من الحليب وطلبه باللغة الأخرى.. فلا تقل له لن أعطيك الحليب حتى تطلبه بلغتنا وإنما استخدم أنت اللغة المطلوبة وأعد عليه طلبه وقل! أريد كأساً من الحليب.. بهذه الطريقة ستغذي عقله بالكلمات المناسبة لهذا الطلب ومع الوقت والتكرار ستثبت في عقله ويقوم باستخدامها في وقت ما.

ولمساعدة الطفل على تطوير اللغة بشكل أفضل يقوم الآباء بمحاولات حثيثة لتوفير البيئة اللغوية المناسبة!!

كإلحاق الأطفال بمدارس للغة الخاصة بهم، أو السفر بهم لقضاء إجازة للبلد الأصلي والمتحدث لهذه اللغة، أو مشاركتهم في اجتماعات لجاليتهم في المهجر، أو مرافقة بعض الأطفال المتحدثين لنفس اللغة، أو حتى مشاهدة برامج تلفزيونية ناطقة بهذه اللغة، وقد ينجح ذلك فعلياً في ترقيع البناء اللغوي في عقل الطفل! لكنه يحتاج لجهد مضاعف في حال كانت اللغة المنطوقة تختلف عن اللغة المكتوبة كما في العربية مثلاً خاصة بوجود العديد من اللهجات المحلية.

وبالنهاية أُذَكِر..

بأن كل الدراسات التي أجريت على الأطفال المتعرضين للغتين منذ الولادة والتي تدعم نجاح هذه العملية لم تشمل منهم طفل لم يتعرض للغتين بالمستوى المطلوب لتطوير كل من اللغتين وإنما شملت أطفال كان لديهم بيئة لغوية غنية وداعمة لكل من هاتين اللغتين.

فهل ستتقبل العائلة المهاجرة حقيقة أن طفلهم لن يتحدث لغتهم بطلاقة قبل الخمس سنوات في ظل عدم توفر البيئة الغنية بهذه اللغة؟ ويتابعون معه المحاولات لتطوير هذا البناء اللغوي والصبر على النتائج الى حين أن يقدر الطفل فعلاً على استخدام هذه اللغة أم أنهم سيضغطون على طفلهم وعلى أنفسهم بوهم اللغة الأم بدون بيئة لغوية داعمة تجعل من اللغة الأم.. لغة أم؟

الرابط الرسمي لمدونة الكاتبة 
معلومات عن الكاتبة من هنا 
صفحة الفيسبوك الخاصة بالكاتبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق