ميلاد

بقلم: سلام حمدان

كان لأبي صديق تلحمي يعمل في تصليح الاحذية “كندرجي”، له دكان صغير موغل في القدم خلف جامع عمر في ساحة المهد في بيت لحم. كان اسمه العم أبو ميلاد.

كنا نزوره مرارا وتكرار خلال العام، يرتق لنا حذاءنا اليتيم حتى لا يعود له مجالا للرتق. كان في دكان العم أبو ميلاد كرسيان صغيران يستقبل زبائنه، الذين باتوا أصدقاؤه في غالبهم، ويقدم لهم قهوة يصنعها بنفسه. وكما كان يرتق الاحذية بحرفية كان أيضا يرتق لنا الحكايات من يومياته ومشاهداته بسلاسة مدهشة.

كان للعم أبو ميلاد سبع بنات محبوبات، الا ان شوقه لولد يساعده، ربما، في مهنته كان قد طال، حتى أستجيبت دعواته في ليلة ميلاد ماطرة ورزق بابنه الذي سماه ميلاد تيمنا.

لم تطل فرحة العم أبو ميلاد حيث غاب ميلاد بعد ثلاثة عشر عاما، في خضم الانتفاضة الأولى، حين اقتنص قناص محترف حياته وحلم والده في لحظة سريعة.

كنت أدرس حينها خارج البلاد في مدينة براغ، وكنت عدت في احدى زياراتي للوطن بعد استشهاد ميلاد بعام ونيف. وبطبيعة الحال عرجت على دكان العم أبو ميلاد لتعزيته وللاطمئنان على حاله. جلست على كرسي القش المعتاد قرب الباب وقدم لي قهوته المعتادة سادة هذه المرة. واكب على عمله يدرز أحذية قديمة بماكنته التي بدت لي جديدة، ودون ان أسأل راح يروي لي قصة استشهاد ميلاد “وقع أرضا بقنصة قناص وصرخ أبي أبي”. لم تتغيّر ملامح العم أبو ميلاد بعكس توقعاتي. كنت أظنه سيجّن تماما بعد فقدان ولده الوحيد المنتظر طويلا.

لكن يداه بدت ثابتتان وعيناه تدققان في عمله وتتوهان للحطة قصيرة في البعيد. “قتلوا ميلاد. راح فداء فلسطين. وصرخ أبي أبي في لحظته الأخيرة” ردد من جديد.

اطمأن قلبي قليلا على العم أبو ميلاد ظنا مني أن قلبه الكبير قد احتمل ثقل الفاجعة. شكرته على قهوته الطيبة وهممت بالرحيل، الا أني فجأة ترنحت على كرسي القش الصغير مجددا، وكانني أصبت بطلقة قناص كصغيرنا ميلاد، حين هزني حتى آخر خلايا عقلي البعيدة صوت العم أبو ميلاد، الرخيم، الثابت: “أين تذهبين؟ دعيني أخبرك كيف رحل ميلاد. أتعلمين، مات بقنصة قناص وصرخ أبي أبي في لحظته الأخيرة.” قالها ورفع عينيه محدقا في الاشيء.

وظل صوته وطلت عيناه المحدقتان في الاشيء تطاردانني وتحرماني من النوم أسابيعا طويلة. ومع كل ديسمبر بارد جديد أرى ميلاد يقع مضرجا بدمه على درج سوق بيت لحم مناديا بصوته المرتبك الآخذ بالتحول من الطفولة للبلوغ: أبي أبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق