وباء الكورونا فى سياق التفسير الدينى

د. محمد شكر – تورونتو

وباء الكورونا هو مشكلة إنسانية فى جوهره لأنه لم يستثنى من ضحاياه أقوام على دين أو جنس أو من بلد معين. يستوى فى ضحاياه مواطنوا البلاد الصناعية الكبرى والبلاد النامية الصغرى والناس من كل الأديان. الضحية هو الإنسان على إطلاقه بدءا من الهالكين بهذا الفيروس إلى المصابين به ومرورا بكل من أضر الوباء بمصالحه الإقتصادية وإنتهاء بالمحبوسين فى ديارهم الضيقة مع أطفال لا يجدوا منافذ للتنفيس عن طاقاتهم. وبالرغم من هذا البعد الإنسانى الواضح فإن تناول ملف هذا الوباء (يعنى تفسير ظهوره وإقتراح طرق مواجهته والوقاية منه) يتم توظيفه لأغراض سياسىية  مثل ما نرى فى إتهامات الإدارة الأميركية للصين بإخفاء حقائق إنتشار الوباء بل وبتصنيعه فى معامل أوهان، أوفى إطار التعالى بدين معين على سائر الأديان مثل ما يرد على قنوات التواصل الإجتماعى من تباهى بعض رجال الدين اليهودى والمسيحي والإسلامى على السواء بأن الكورونا لن تصيب أتباع ديانتهم لأنهم أناس ربانيين والرب يحميهم.

يلقى هذا المقال الضوء على أحد التفسيرات الدينية الشائعة لإنتشار الوباء والذى يتم تقديمه فى سياق مفاهيم مغلوطة محسوبة على الإسلام (فى نظر كاتب هذا المقال)، وبالذات مفهوم العقاب الإلهى الموعود للمفسدين والمنكرين للدين، والمقصود بهم بالذات أهل الغرب. بداية يجب التوكيد على أن المؤمن – وبغض النظر عن دينه – يلجأ إلى الله بالدعاء فى وقت الشدة لرفع الكرب ودرأ الخطر. هذا أمر مشروع لأنه يمنح المؤمن الراحة النفسية من خلال تقوية علاقته بالخالق – مُسبّب الأسباب. لكن ما قد يصبح غير مشروعا فهما أمران سنتناولهما بشئ من التفصيل فيما تبقى من هذا المقال. أولاهما متعلق ببعض الآراء الشاطحة التى تُحيل سبب بلاء الكورونا إلى غضب الله وإنتقامه من المفسدين، وهو خطاب ينطوى على الكثير من الشماتة والتعريض بالمجتمعات “الكافرة”. وثانيهما هو الوهم بأن الاقتصار على التوجه إلى الله بالصلاة والدعاء فقط هو طريق النجاة من هذا الوباء.

ولأن معظم رجال الدعوة ممن يتصدرون لتقديم الإجابة عن سبب تفشى الكورونا لمجتمع المتدينيين يخاطبون جمهورا يبحث عن إجابة “سماوية” قد لا تتواءم بالضرورة مع صوت العقل فستكون الإجابة المقبولة هى أنها عقاب من الله بسبب إنكار الناس للدين أو تهاونهم فيه. وسيلزم عن هذه الإجابة نتيجتان محببتان لنفس المستمع. الأولى أننا (أحباب الله الذين لم نتهاون فى دينه) سنكون بمنأى عن الإصابة والهلاك وثانيهما أن من سينزل بهم العقاب هم أعداء الله وأعداؤنا الذين لا نقدر عليهم لكن الله القادر والقاهر فوق عباده سيأخذهم بهذا الوباء أخذ عزيز مقتدر. ولكن بشئ من التأمل يسهل تفنيد هذا الإجابة والنتائج اللازمة عنها. يستند القائلون بأن الكورونا عقاب من الله على معصية البشر إلى ما حدث للأقوام العصاة الذين ورد ذكرهم فى القرآن الكريم، وإنتهى أمرهم بتدمير الله لهم وفق سُنّته التى لن يجد الناس لها تبديلا ولا تحويل هذا ما حدث لقوم نوح الذين أخذهم الله بالطوفان، وقوم عادْ الذين دمرهم الله بريح صرصر عاتية، وقوم هود الذين أهلكهم الله بصيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحتَضِر، وقوم سبأ بما أذاقهم الله من نقص فى الثمار والزروع، وقوم لوط الذين أمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وهو نفس العقاب الذى أصاب به الله أصحاب الفيل.

لكن ما غاب عن المروّجين لهذا القول أن عقاب الله لم يقع على هؤلاء الأقوام إلا بعد أن رفضوا الرسالة وسخروا من المُرسَلين وتمادوا فى التكبر والعناد. وهو ليس حال القوم اليوم فى دول الشرق والغرب التى أصابها الوباء لأن الناس هناك لم يتلقوا رسالة سماوية عن رسول من الله أصلا، وبالتالى فلا يمكن إستنتاج أن الوباء هو عقاب من الله بالقياس على الأمثلة المشار إليها، وإنما الأفضل والأكثر مصداقية وتعلقا بالسياق الجارى للوباء هو إبراز معنى الآية الواردة فى سورة الإسراء “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”، ومعناها أن الله سبحانه لا يعذب الناس فى الدنيا إلا بعد أن يبعث إليهم رسولا مبشرا ونذيرا.

وقد يستند أيضا القائلون بأن الكورونا عقاب إلهى إلى حديث عن رسول الإسلام توَعَّد فيه عُصاة الناس بالعقاب ولم يرد فيه شرط إرسال الرُّسل. ونص الحديث كما رواه إبن ماجة “لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها (يعنى حتى يتباهوا بها) إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التى لم تكن مضت فى أسلافهم الذين مضوا”. لكن حتى لو صح هذا الحديث فلا يمكن إلصاقه بوباء الكورونا. لماذا؟ لأن نوع العقاب الإلهى الموعود وتوقيته والناس المقصودين به هو فى علم الله ومن شأنه وحده. لهذا فإننا لا نستطيع إسقاط معنى هذا الحديث على أى حدث فى حياتنا بل يمكن فقط الإستئناس به دون الجزم بعلاقة سببية بين مصائب الناس وظهور “الفاحشة” فيهم. كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تنبئ بعقاب إلهى (يعنى تتنبأ بالعقاب فى المستقبل) يجب حملها على معنى الإنذار (لعل الناس يرجعون أو يتوبون أو يتضرعون) وليس الجزم بأنها عقاب يتبِع فعل معصية، وذلك لأننا ببساطة لا نحيط بعلم الله ومشيئته وحكمته. نحن لا نعرف على وجه التحديد حكم الله على أميركا كأمّة ولاعلى مواطنيها كأشخاص. لكننا نعرف أن من بين المواطنين الأميركيين أناس يبتغون وجه الله، فلا يمكن أن يكونوا مقصودين بعقاب الله.

ثم إن هناك سؤالا هاما يتحتم توجيهه للقائلين بأن الكورونا هو العقاب الإلهى على تفشى الفساد والفاحشة لدى من حل بهم العقاب – وكل هؤلاء القائلين بالمناسبة هم من أهل البلاد الإسلامية وبلد الحرمين بالذات. السؤال هو: بما أن الوباء لم يستثنى بلادهم فهل يمكن القول بأنه عقاب بسبب ظهور “الفاحشة” عندهم أيضا؟

إذا كان تبرير العقاب الإلهى مرتبط بظهور “الفواحش” فى بلاد الشرق والغرب التى دهمها الوباء، فواحش مثل العلاقات الجنسية المحرمة والشاذة والشرك بالله والترف والإستكبار ونسيان الآخرة وخلافه، فلابد أن يكون إنتشاره فى بلاد المسلمين مرتبطا أيضا بصور أخرى من الفواحش. فهل تكون هذه من أمثال إستئثار العائلات المالكة الحاكمة بثروات البلاد؟ أو تعالى كبار الناس عن المُسائلة تحت طائلة القانون؟ أو الإستغراق فى ملذات الدنيا فى الوقت الذي تهون فيه حقوق الشعوب وتضيع فيه فلسطين؟ أليست هذه فواحش يسكت عنها المروجون لفكرة العقاب الإلهى بفيروس كورونا؟

إذا كان المروجون لهذه الفكرة يتلذذون بترديدها لكسب شعبية فى أوساط الناس التى تتمنى الإنتقام الإلهى من الدول التى إستعمرت بلادهم وتفوقت عليهم، فلابد أن يقدموا للناس بالتوازى تفسيرا لإنتشار الوباء فى بلاد المسلمين ليكتمل السياق المنطقى لحجتهم. ثم إن وباء الكورونا سينتهى بعد أن يستنفذ دورته، تماما كما إنتهت كل الأوبئة التى طالت البشرية فى الماضى (وقد كان الوعى الصحى والطب بسيطا حينذاك). فماذا سيقول المروجون لفكرة العقاب الإلهى عندما يختفى الفيروس أو يبطل نشاطه؟ ماذا سيقولون عن “الغرب الفاحش” إذا تم إكتشاف المصل المضاد فى نفس هذا الغرب؟ فى الغالب سيصمتوا وينسى الجميع الأمر ولن تطلب منهم جماهير المستمعين أى أقوال. ولهذا السبب بالضبط سيظل هؤلاء القوم فى حالة جمود بينما تنطلق الدنيا من حولهم – شرقا وغربا – فى تقدم متسارع.

الأفضل لنا فى هذا الوقت العصيب ألا ننشغل بتوجيه الشماته أو اللوم إلى من نسى الله على أنه المتسبب فى هذا البلاء بل يجب أن ننشغل بأسباب النجاة من هذا الوباء. فكلنا فى سفينة الحياة التى يتهددها الغرق الآن، وإذا غرقت فسيغرق الجميع: المتسبب والبرئ. وأسباب النجاة تجمع بين المساجد (أو دور العبادة على إطلاقها) ومراكز البحث العلمى. التوجه إلى الله سيكون فى المسجد والمعمل، يعنى هو سعى إلى الله بالدعاء والتضرع وسعى مواز لإكتشاف المصل الذى جعل الله فيه الوقاية والشفاء. الخطاب الدينى المتوازن لابد أن يتعانق فيه الساجدين والباحثين، وبهذا يكتمل الوصل بالله مع الأخذ بالأسباب العملية للنجاة. صحيح أنه ورد فى القرآن الكريم أن “النصر من عند الله” لكن ورد أيضا التحفيز على الأخذ بعوامل النصر “وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل”.

الخطاب الإقصائى (السياسى أو الدينى) يهوِى بأتباعه إلى درك الأنانية – أنانية قد تكون مفتونة بالثروة والجبروت كما يرد فى خطاب الإدارة الأميركية الحالية أو مفتونة بتفضيل الله لشعبه المختار على بقية الشعوب كما يرد فى بعض الخطاب الدينى. وكلاهما مذموم فى معظم القيم الدينية والإنسانية.

جل ما نحتاجه الآن هو خطاب إنسانى يحض على رؤية إنسانية تخرجنا من السقطة فى الأنانية. فالإنسانية هى نقيض الأنانية. الخطاب الدينى يمكن أن يتأرجح بين النقيضين، ولكننا نريده إنسانى نستبعد منه كل ما هو أنانى، نستبعد منه تزكية النفس لأن الله يقول فى كتابه العزيز “فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن إتقى”.

القيم الإنسانية تُعلى الروح الجماعية والأنانية – فى المقابل – تحتفى بالغرور والفردية، القيم الإنسانية لا تعرف الشماتة لكن الأنانية هى الباعث على الشماتة. القيم الإنسانية تُنكِر الإستعلاء لكن الأنانية هى الإستعلاء بعينه. القيم الإنسانية مبعثها الحب والأنانية تكتنفها الكراهية. القيم الإنسانية تحترم الجميع والأنانية تحتقر الغير. القيم الإنسانية تبتعد عن تصنيف الناس والأنانية ترحب بالتصنيف لكى أصبح “أنا” الأعلى.

الخطاب الدينى فى هذه المرحلة – وكل مرحلة – يجب أن يأتى مُعزِّزا للقيم الإنسانية لا صارفا عنها. ولن يتم هذا إلا إذا إنتقل المؤمنون من حال التلقى السلبى للخطاب إلى حال التدبر فى كلام الخالق وسننه الكونية، من حال المشاحنة وكراهية الغير إلى حال السلام مع النفس ومع الغير، من حال الفهم السطحى لمعطيات الدين إلى حال الفهم العميق للمعانى الإنسانية الواردة فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق