COVID-1948

د. محمد مسلّم

فنان بصري وأكاديمي فلسطيني

أصاب فايروس كوفيد- ١٩ عالمنا نهاية عام ٢٠١٩م، وانقلبت حياة المليارات رأساً على عقب، وسرعان ما طفى على السطح صراع الإنسان الأزلي من أجل البقاء، وتسابقت الدول للحصول على مقومات مكافحة الفايروس من أجهزة طبية ومعدات وقاية. شكّل هذا الفايروس اختباراً حقيقياً لإنسانيتنا وردود أفعالنا تجاه خوفنا من هذا الوباء. لا أتوقف عن التفكير بما أصاب بنيتنا الإنسانية من خلل، وكيف انكفأنا على ذواتنا خوفاً من هذا الوباء الغامض، حتى من أقرب الناس إلينا. في خروجي المتقطع أتلصص بحذر على وجوه الناس وهي تراقب بعضها بتوجس وتبتعد خشية من العدوى. ما أصاب العالم مُحزن ويحتاج الكثير من الوقت لإدراك تبعاته، لكن بالمقابل، هذه هي طبيعة الحياة على كوكبنا الذي عانى من العديد من الأوبئة التي أودت بحياة الملايين عبر التاريخ.

سيُشفى العالم آجلاً أم عاجلاً من هذا الوباء، وستبقى آثاره باقية في أذهان البشر لعقود، أما الفلسطيني الذي أصابه وحيداً فايروس الاحتلال منذ عام ١٩٤٨م، وإن كانت حضانته بدأت عام ١٩١٧م منذ وعد بلفور المشؤوم. سيبقى الفلسطيني وحيداً يُصارع هذا الفايروس السرطاني الإستيطاني المتفشي في أرضه وأرض أجداده، ويشعر بالغدر من بعض أشقاءه الذين طعنوه في الظهر سواءً أمام الشاشات أو خلف الكواليس تواطئاً مع صفقة القرن المشبوهة، وهذا بالتأكيد ليس أول أو آخر الخذلان. 

إننا بحاجة نحن الفلسطينيون إلى قائمة تعداد لضحايانا لنُذّكر العالم -كما هو حاصل مع فايروس كورونا- بأن لدينا آلاف الأسرى، ومنهم مئات الأطفال والنساء وكبار السن، ومئات آلاف الشهداء والمصابين، وما زال الشعب الفلسطيني يُقدّم في سبيل حريته واستقلاله كل ما يملك من تضحيات، إن هذه ليست مجرد أرقام، وإنما تحمل خلفها أوجاع ودموع الملايين من الأمهات والأبناء والأسر من كافة أجيال الشعب الفلسطيني الذي يؤمن بعدالة قضيته وبأحقية ملكيته لهذه الأرض، ففلسطين وترابها هما إمتداد لروح الفلسطيني أينما كان كما وصفها محمود درويش في أحد أشعاره.  

قريباً سيكون عرّاب صفقة القرن المشبوهة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزمرته أكبر قرابين هذا الفايروس، وستسقط هذه الصفقة اللعينة تحت أقدام الفلسطيني الوريث الحقيقي للأرض المقدسة أرض الإسراء والمعراج ومسقط رأس السيد المسيح، ولن يسقط هذا الحق مهما كبُرت المؤامرات. إن الفايروس الحقيقي هو فايروس الاحتلال والظلم والقهر الذي عانى ويعاني منه الشعب الفلسطيني وما زال منذ ما يزيد عن قرن من الزمان. 
إن تاريخ الخامس عشر من مايو أيار هو يوم شؤم وتاريخ أسود يٌحييه الفلسطينيون كل عام لتذكير الأجيال بما حدث مع الأجداد في عام ١٩٤٨م حين احتُلت فلسطين وشُّرد أهلها إلى شتى بقاع الأرض.

سنبقى وحيدين نصارع فايروس الاحتلال اللعين متمسكين بالإيمان وقوة الحق، ولا ننتظر مختبراً لإكتشاف لقاح جديد للقضاء عليه، بل بصبرنا وتمسكنا بأرضنا وأرض أجدادنا، وبتوثيق علاقاتنا مع أشقائنا وأحرار العالم، فما دام إحتلال إلاّ وإلى زوال، ونراه قريبا بإذن الله، وما فايروس كورونا إلا خير دليل عن أن دوام الحال من المحال. 

في العمل الفني المرّكب المرفق بعنوان كوفيد-١٩٤٨، استخدم الفنان خامة من عمق الأرض، وهي الحجارة التي تستحضر معنى القوة والصلابة في العمل الفني، كما تُمثّل صمود الأرض وبقائها عبر الزمن. عَبّر الفنان عن المرض السرطاني الذي أصابها منذ النكبة في عام ١٩٤٨م، وهنا يحضر لون الدم الأحمر ليُشّكل إمتداد حقيقي لفيروس العصر كوفيد-١٩ وفي الحالة الفلسطينية الراهنة الفايروس الحقيقي هو كوفيد-١٩٤٨. 

د. محمد مسلّم

فنان بصري وأكاديمي فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق